أخبار إيران

أسرار أطول ليلة في السنة / لماذا يجتمع الإيرانيون في ليلة يلدا؟

يُنظر إلى عيد النوروز، من هذا المنظور، على أنه نوع من الأعياد الزراعية التي تُقام مع بداية الموسم وتجدد السنة. ومن هذه الزاوية، كان بعض أسلافنا يعتبرون ليلة يلدا عيدًا زراعيًا وبداية فصل جديد؛ إذ إن أعمال المزارعين كانت تنتهي في فصل الخريف، فكانوا يحتفلون بنهايته وبداية فصل الشتاء، الذي يُعدّ موسم الراحة والفراغ من العمل الزراعي. ومن ثمّ، فإن يلدا، من منظور زراعي وموسمي، هي احتفال بانتقال الفصول وبداية فصل جديد.

وينتقل هذا الباحث في الشاهنامه، بعد هذه المقدمة، إلى دراسة يلدا من زاوية أحدث، أي من البعد الطقوسي والعقائدي، فيوضح أن كلمة «يلدا» من حيث الأصل اللغوي هي كلمة سريانية، والسريان من الشعوب السامية القديمة، ومعناها «الولادة». والكلمات المستخدمة في اللغة العربية، ومن ثم في الفارسية، مثل ولادة، مولود، تولد، والد ووالدة، تشترك جميعها في الجذر نفسه مع كلمة يلدا. والسؤال الأول الذي يطرح نفسه هو: لماذا أطلقوا على هذه الليلة اسم ليلة الولادة؟ ولادة من أو ماذا؟

وبحسب آيدنلو، كان أسلافنا يعتبرون اليوم الأخير من الخريف، أي الثلاثين من شهر آذر، ولادةً متجددة للشمس في كل عام، وكانوا يعتقدون أن الشمس، التي تكون أسيرة الظلام عدة أشهر، تولد من جديد في هذه الليلة، أي آخر ليلة من الخريف، ولذلك كانوا يحتفلون بميلادها. وعلى هذا الأساس سُمّيت هذه الليلة بليلة يلدا. ويضيف أنه يمكن النظر إلى هذه الليلة من زاوية أخرى أيضًا، موضحًا أن الاسم الآخر المتداول لليلة يلدا هو «ليلة چله».

وكلمة «چله» مشتقة من «چهل» (أربعون) مع إضافة هاء النسبة، مثلما تتحول «هفت» إلى «هفته». وبعد أربعين يومًا من الثلاثين من آذر يحل العاشر من بهمن، وهو اليوم الذي كان يُقام فيه في تقاليد إيران القديمة احتفال يُعرف بعيد «سده». وبذلك، فإن الشمس التي تولد في ليلة الثلاثين من آذر تبلغ أربعين يومًا في العاشر من بهمن، وبسبب بلوغها ونموها يُقام عيد سده. ومن هذا المنظور، فإن «چله» تعني الليلة التي يولد فيها طفل يُدعى الشمس، ليُحتفى به بعد أربعين يومًا في احتفال سده ويُقدَّم إلى أنظار الجميع. وهذا يؤكد لغويًا وطقوسيًا ارتباط يلدا بولادة الشمس.

ويضيف هذا الباحث أن ليلة يلدا لا ترتبط بالشمس فحسب، بل ترتبط أيضًا بـ«مهر». وعلى خلاف الاعتقاد الشائع، فإن «مهر» لا تعني الشمس. ففي معتقدات الإيرانيين القدماء، كان مهر إله النور والضياء، يراقب العالم قبل شروق الشمس، وبعد غروبها ينزل من السماء إلى الأرض ليشرف على حسن تنفيذ العهود والمواثيق بين الناس، ولذلك سُمّي إله العهد والميثاق. ويستشهد في هذا السياق بنص من «اليشتات» في الأفستا جاء فيه: «نمجّد مهر، صاحب السهول الفسيحة، أول الإلهة الروحية التي تشرق فوق جبل هرا قبل الشمس الخالدة».

ويضيف آيدنلو أن هناك دليلًا آخر على التمييز بين الشمس ومهر، وهو أن التقويم الإيراني قبل الإسلام كان يخصص لكل يوم اسمًا، فكان اليوم الحادي عشر من كل شهر يُسمّى يوم خور (الشمس)، واليوم السادس عشر يُسمّى يوم مهر. ويشير إلى أنه قبل ظهور زرادشت كان الإيرانيون يعبدون الإله مهر، لكن بعد ظهور الزرادشتية تراجع مقامه الإلهي وأصبح أحد مخلوقات أهورامزدا. وفي أوروبا، ولا سيما في روما، كانت عبادة مهر (الميثرائية) شائعة جدًا، ولا تزال آثار معابد مهر (المهرابه) موجودة في أنحاء أوروبا.

وأهم رمز لهذه الديانة، الذي بقي في شكل نقوش صخرية أو تماثيل محفوظة في المتاحف، هو شاب يذبح ثورًا بخنجر. ثم ينتقل آيدنلو إلى الأساطير المحلية حول يلدا في مدن إيران المختلفة، فيذكر أن أساطير لورستان تقول إن القمر كان عاشقًا للشمس، وكل ليلة كان يحاول الوصول إليها، لكن النوم كان يغلبه عند الفجر، فتدخل الشمس عالم النهار ويبقى القمر محرومًا. وبعد تكرار ذلك، طلب القمر من نجم مجاور أن يوقظه إن غلبه النوم. وفي ليلة الثلاثين من آذر يحدث ذلك، فلا ينام القمر، ويعتقد الناس أن حديث القمر والشمس يطول، فتشرق الشمس في اليوم التالي متأخرة قليلًا، مما يجعل الليل أطول، وهو أصل ليلة يلدا.

ويضيف أن هناك أسطورة أخرى تقول إن الإله مهر، بعد ولادته، يصارع الشمس ويغلبها، ثم يمد يده ويرفعها ويقول لها: تعالي لنعقد عهد الصداقة والمودة. فتصافحه الشمس ويعقدان عهدًا، وتُسمّى تلك الليلة يلدا. ووفقًا لمعتقدات أهل كازرون، يخرج في الثلاثين من آذر ديوانٌ على هيئة سرطان من أعماق الأرض، يسرق الشمس ويخفيها خلف الغيوم. فيجتمع الناس، ويشعلون النار والشموع، ويتجمعون في البيوت، على أمل تحرير الشمس من أسر الظلام.

ويشير هذا الباحث إلى أن العنصر المشترك في جميع هذه الأساطير هو الحضور القوي للشمس. كما أن تبادل التهاني في يلدا يُعدّ دلالة أخرى على ذلك، وربما يكون بقايا احتفال ميلاد الشمس، حيث نُسيت صورته الأصلية وبقي طقسه.

ثم يتحدث عن موائد يلدا، فيوضح أن من أهم طقوس هذه الليلة إعداد مائدة خاصة، شبيهة بمائدة هفت سين في النوروز، تُقدَّم عليها المأكولات والفواكه. وأهم ما يوضع على هذه المائدة هو البطيخ. وإذا اعتبرنا يلدا احتفالًا بميلاد الشمس، فإن وجود البطيخ يرمز إلى الشمس، وتقطيعه يرمز إلى نشر نورها في ليلة لا تُرى فيها الشمس.

ويضيف أن رب الأسرة أو كبير المجلس في بعض المناطق كان يتلو دعاءً قبل تقطيع البطيخ، ومن ذلك: «اللهم بارك مدننا وبلادنا، واجعل الربيع القادم ممطرًا، وبارك زرعنا وثمارنا، واحفظ بلادنا من البلاء، واشف مرضانا، واقض ديون المدينين، واحفظ عائلاتنا من المصائب، وبارك أعمالنا».

ويذكر أن التفاؤل بديوان حافظ، وقراءة الشاهنامه، من طقوس يلدا الأخرى. ففي رويان بشاهرود كانوا يؤدون قصة رستم وإسفنديار، وبعد مقتل إسفنديار يقوم من يؤدي دور رستم بتقطيع البطيخ وتوزيعه. وفي بعض مناطق أذربيجان كانت تُروى قصص «چؤپلو». وفي بعض المناطق كانوا يشعلون النار ويقفزون فوقها مثل أربعاء سوري.

ويشير إلى تقارير من مياندوآب عن إشعال النار والقفز فوقها ليلة يلدا، وقولهم: «انتهت چله، نرجو أن تمطر السماء مطرًا أو ثلجًا كحبات الخرز». وفي أورمية كان الجلوس حول الكرسي مهمًا، وفي بعض المدن انتشرت عادة إلقاء الشال. وفي قرى من لورستان كانوا يضحون بالبقر والغنم، وهو تقليد مرتبط بطقس مهر ورمز الخصوبة.

كما يشير إلى غناء الأهازيج الشعبية (باياتي) في أذربيجان، وإلى طقوس تُقام في اليوم التالي ليلدا في بعض المناطق. ففي مرند كانوا يغنون الأهازيج صباح الأول من دي، وفي طهران كان الرجال يصعدون الأسطح قبيل الفجر للدعاء، وفي كلاردشت كانت إحدى القبائل تحتفل خمس ليالٍ متتالية.

وفي الأدب، يذكر أن أقدم إشارة إلى يلدا وردت في الشاهنامه، حيث قال الفردوسي:
«شب اورمزد آمد از ماه دی / ز گفتن بیاسای و بردار می».
كما أشار سعدي وحافظ وأوحدي المراغي إلى يلدا في أشعارهم، مما يدل على عمق حضور هذه الليلة في الثقافة والأدب الإيراني./ دنیاي اقتصاد

مقالات ذات صلة