أخبار إيران

عندما تُوصَف الرقابة بأنها «مناهِضة للتوافق»؛ رواية خطاب وردود الأفعال

بعد مرور يوم على كلمة محمد باقر قاليباف في الجلسة العلنية لمجلس الشورى الإسلامي حول موجة الغلاء الأخيرة، شنّ عددٌ ملحوظ من وسائل الإعلام والصحف القريبة من التيار الإصلاحي هجوماً منسقاً نسبياً على رئيس المجلس.

صحيفة سازندگي هاجمت تصريحاته بعنوان «تدخل قاليباف»، فيما ردّت صحيفة اعتماد بعنوان «الوفاق تحت الضربة». ويأتي ذلك في وقتٍ تعرّض فيه قاليباف، بسبب الخطاب نفسه، لضغوط من طيفٍ من النواب المتشددين داخل المجلس؛ نواب لا يوافقون على منح الفرص، بل يطالبون صراحةً ببدء إجراءات الاستجواب فوراً.

1- في كلمته قبل جدول أعمال الجلسة العلنية يوم الأحد 30 آذر 1404، ركّز قاليباف على المخاوف المعيشية للمواطنين، وتحدّث عن الارتفاع الجامح في أسعار السلع الأساسية، ولا سيما ارتفاع أسعار العملة والذهب، مؤكداً أن المجلس يتابع هذا الملف بجدية وسيواصل متابعته.

وأعلن عن عقد جلسة رقابية بحضور الوزراء الاقتصاديين والمسؤولين المعنيين، موضحاً أنه إذا لم تؤدِّ الإجراءات إلى نتائج ملموسة، فإن الأولوية ستكون لإجراء تعديل وزاري من داخل الحكومة بهدف تقليل الزمن والتوتر، وإذا لم تتم الإصلاحات الضرورية فسيضطر النواب إلى بدء مسار الاستجواب.

هذا الطرح قدّم عملياً خريطة طريق واضحة: أولاً الإصلاح والترميم من داخل الحكومة، وإن لم ينجح، يتدخل المجلس بأدواته الرقابية.

الهجوم الرئيسي لبعض وسائل الإعلام يتمحور حول سبب “تهديد” رئيس المجلس واستخدامه لمصطلحات مثل الترميم أو الاستجواب، في حين أن منطق الحوكمة في البلاد واضح؛ فالاستجواب في نظامنا ليس أداة عقابية، بل آلية لإلزام الجهاز التنفيذي بالمساءلة وتصحيح المسار. ومنح الحكومة مهلة في ظروف اقتصادية متوترة لا يعني المسايرة، بل قد يكون تحديداً مساعدة لها على حل المشكلة بأقل كلفة اجتماعية وأدنى توتر سياسي، وهو ما أكّد عليه قاليباف بقوله: «أقل زمن وأقل توتر».

بعبارة أخرى، لو اتجه المجلس منذ البداية إلى استجوابات متتالية، سيدخل الجهاز التنفيذي في حالة دفاع دائم، وستتحول طاقة الدولة من حل المشكلات إلى الصراع السياسي. أما منح مهلة قصيرة، واضحة، وقائمة على النتائج، فهو المسار الأكثر عقلانية؛ بحيث تُجري الحكومة الإصلاح من داخلها ويضع المجلس مؤشرات التقييم بوضوح.

2- وسائل الإعلام الإصلاحية، كلما واجهت الحكومة نقداً من رؤساء السلطات الأخرى، سارعت إلى الحديث عن انتهاك الوفاق. في حين أنه أولاً لم يتم توقيع أي اتفاق بين رؤساء السلطات لتجاهل نقاط الضعف، بل إن الوفاق بمعناه العام هو التعاون لحل المشكلات لا تجاهل الأزمات. وفي جميع المراحل السابقة، سعى رؤساء المجالس إلى مستوى من التعاون مع الحكومات، وهو ما يبرز اليوم أكثر بسبب حساسية الظروف ومرحلة ما بعد حرب الأيام الاثني عشر. لكن المتشددين في كلا التيارين السياسيين يحاولون وضع الوفاق في مقابل الرقابة، وكأن أي ضغط رقابي هو ضد الوفاق.

إذا فُسّر الوفاق على أنه الصمت أمام تراجع قيمة العملة الوطنية، والتضخم، والضغط المعيشي، فإنه يتحول عملياً إلى صفقات سياسية وتواطؤ.

قاليباف أكّد في كلمته أن القضية نابعة من هموم الناس، وأن المجلس يتابعها، وبالتالي فمحور الخلاف ليس وجود المشكلة، بل كيفية التعامل معها. المجلس اختار حتى الآن مسار التعاون، والجلسات الرقابية، ومنح مهلة للترميم، لكن مع استمرار التضخم وارتفاع الأسعار، لا يمكن للمجلس أن يبقى متفرجاً.

3- قاليباف لا يتعرض للضغط من الإعلام الإصلاحي فقط، بل يواجه أيضاً انتقادات من متشددين داخل المجلس يعارضون أساساً منح أي فرصة للحكومة. ومن الأمثلة على ذلك نائب خميني‌شهر الذي هاجم قاليباف في مداخلة شفوية، مطالباً بوقف سياسة الإنذارات والمهل، وداعياً إلى طرح الاستجوابات هذا الأسبوع. كما انتقد نائب قم عدم إعلان استلام طلبات الاستجواب.

رئيس المجلس يقف وسط معادلة مزدوجة: من جهة، تقول وسائل الإعلام الإصلاحية إن هذا النهج ضغط وتهديد، ومن جهة أخرى يراه بعض النواب غير كافٍ. ومع ذلك، واستناداً إلى توجيهات قائد الثورة الذي يرى أن غياب المسؤول أسوأ من وجود مسؤول لا يستوفي بعض المعايير، ويعتبر الاستجواب حقاً للمجلس، فإن أفضل مسار هو ما طُبق في حكومة الشهيد رئيسي، حيث جرى تأجيل الاستجوابات مع منح الوزراء مهلاً وإجراء ترميم من داخل الحكومة، وهو النهج نفسه الذي يتبعه اليوم مع حكومة بزشكيان.

4- من الأفضل لوسائل الإعلام المنتقدة للاستجواب أو الترميم أن تمثل صوت الناس بدلاً من تمثيل التيارات السياسية، وأن تُساءل الحكومة بجدية عن أدائها الاقتصادي، وكذلك المجلس عن فاعلية أدواته الرقابية.

الوفاق، والتعاون، والتكامل… لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لغضّ الطرف عن الأخطاء. عندما يكون لقمة عيش الناس على المحك، لا يستطيع المجلس التراجع عن الرقابة، ولا يمكن للحكومة استبدال المساءلة بالمجاملات الإعلامية، ولا يحق للإعلام استبدال النقد بالتبرئة./ تسنیم

مقالات ذات صلة