مقالات الرأي

مَأْسَسَةُ الاقتصاد الشَّعبي (الجزء السابع)

✍️أمیرحسین خدائي، باحث

مأسسة الاقتصاد الشعب (11)

 

**تشريع فعّال أم تكرار عقيم للمقالات؟

أين تكمن المشكلة الجوهرية في الحوكمة؟**

الأهمية الجوهرية للموضوع

إذا لم توضع عملية إشراك الشعب في الاقتصاد في صدارة التشريع والتنظيم والقضاء الاقتصادي، فإن جميع الوثائق والبرامج والمقالات ستبقى مجرد إنتاج محتوى لا إنتاج تحول حقيقي. إن التأكيد المتكرر لقائد الثورة، من خلال تسمية الأعوام بمحاور مثل الإنتاج، ومشاركة الشعب، والاقتصاد المقاوم، وقفزة الإنتاج، والاستثمار الشعبي، يدل بوضوح على أن المشكلة الأساسية ليست «غياب الشعب»، بل غياب الإطار القانوني الذي يتيح له دوراً فاعلاً.

ومن منظور القانون العام، فإن أي سياسة اقتصادية تُنفَّذ دون إصلاح القواعد القانونية الحاكمة لها محكوم عليها بالفشل أو الانحراف.

الواقع الملموس هو أن إشراك الشعب في الاقتصاد ليس شعاراً، بل ضرورة حيوية للتنمية المستدامة. ومن دون دخول الناس إلى ساحة الفعل، ستظل حتى أفضل البرامج حبيسة رفوف المكتبات.

المشكلة القانونية الأهم: حبس الناس خلف أبواب القوانين

تكمن المشكلة الأبرز في الاقتصاد الإيراني في تقييد الطاقات الشعبية داخل هياكل قانونية متقادمة واحتكارية وريعية. فالقوانين القديمة، وتراكم اللوائح، وتضارب التعاميم، والممارسات الإدارية المزاجية، جعلت المشاركة الاقتصادية حكراً على فئات محدودة.

ونتيجة لذلك، تحوّلت الشرائح الأقل دخلاً، والشباب، والأزواج الجدد، والمتقاعدون، والأسر بلا معيل أو ذات معيل غير مؤهل، وغير المشمولين بالتأمين، من شركاء في الإنتاج والتجارة إلى مجرد متلقّي إعانات. وهذا الوضع يتعارض بوضوح مع العدالة الاقتصادية وحقوق المواطنة.

ولو تم اليوم إقرار قانون واضح وشامل، لتمكن ملايين الشباب من دخول الاقتصاد ودفع البلاد نحو مسار نمو حقيقي.

القانون كمبدأ والمسارات التنفيذية لإشراك الشعب في الاقتصاد

إن سنّ القوانين وحده لا يكفي. فقد أثبتت التجربة أن غياب التنفيذ يجعل حتى أكثر المبادئ الدستورية تقدماً بلا أثر. ويُعدّ الأصل الرابع والأربعون من الدستور مثالاً واضحاً، إذ يفتح المجال الاقتصادي أمام الشعب صراحة، إلا أن غياب الآليات التنفيذية عطّل جزءاً كبيراً من قدراته.

وفي هذا السياق، صدر قانون تسهيل إصدار تراخيص الأعمال لتجسيد روح الأصل 44، من خلال إزالة التراخيص الزائدة، وتعزيز الشفافية، وتقليص «التواقيع الذهبية». لكن التنفيذ الناقص ومقاومة البيروقراطية الإدارية أبقيا كثيراً من المواطنين عالقين خلف أبواب التراخيص المغلقة.

إن إشراك الشعب في الاقتصاد لا يتحقق بكتابة القوانين فحسب، بل بتنفيذها وجعلها ميسِّرة لا معرقِلة.

ويقوم هذا المسار على مبادئ قانونية أساسية، متجذّرة في الدستور وقابلة للتطبيق العملي:

  • العدالة ورفع التمييز الاقتصادي:
    يجب أن تتاح لجميع المواطنين فرصة عادلة لدخول الاقتصاد.
    الحل التنفيذي: شفافية التراخيص ودعم موجّه للمشروعات الصغيرة.

  • تكافؤ الفرص:
    يجب ألا تخدم القوانين فئات بعينها.
    الحل التنفيذي: مراجعة اللوائح المقيِّدة للشباب والنساء والمتقاعدين.

  • أمن الملكية والاستثمار:
    من دون ضمانات قانونية، لن تدخل رؤوس الأموال الشعبية السوق.
    الحل التنفيذي: حماية قضائية للعقود وتحكيم سريع ومنخفض الكلفة.

  • الحرية الاقتصادية في إطار القانون:
    لا معنى للأصل 44 من دون حرية اقتصادية مشروعة.
    الحل التنفيذي: إلغاء التراخيص غير الضرورية واستبدال الرقابة المسبقة برقابة ذكية لاحقة.

  • تقليص تصدي الدولة وتعزيز دور الشعب:
    على الدولة أن تكون منظِّمة لا تاجرة.
    الحل التنفيذي: خصخصة حقيقية ودعم التعاونيات والصناديق الشعبية.

  • الشفافية وإدارة تعارض المصالح:
    شرط أساسي للثقة والمشاركة الحقيقية.
    الحل التنفيذي: إلزام الإفصاح عن المصالح والفصل بين اتخاذ القرار والانتفاع.

يُعدّ الأصل الرابع والأربعون خريطة الطريق لإشراك الشعب في الاقتصاد، فيما تُعدّ قوانين مثل قانون التسهيل محركات التنفيذ. وإذا لم يعمل هذا المحرك بشكل صحيح، فسيبقى الاقتصاد الشعبي مجرد شعار. إن التنفيذ الكامل وغير المتهاون لقانون التسهيل هو الحلقة المفقودة القادرة على إحياء التجارة الصغيرة، وتحريك رؤوس الأموال الشعبية، وجعل الاقتصاد وطنياً وشعبياً بحق.

تحرير الطاقات الحكومية: مفتاح الاقتصاد الشعبي في إيران

تشكل فئة واسعة من المجتمع، تضم ملايين الموظفين الحكوميين المتعلمين والمتخصصين، جزءاً معطّلاً من الاقتصاد الشعبي. فالقوانين الحالية تمنعهم من تسجيل الشركات أو عضوية مجالس إدارتها، مما يؤدي إلى استبعاد طاقاتهم الاقتصادية وتقليص المشاركة الشعبية.

ونتيجة لذلك، يقتصر النشاط الاقتصادي على من هم خارج الجهاز الحكومي، ما يدفع الاقتصاد نحو الريعية ويقلل الشفافية. كما أن مؤسسات التعاون والصناديق المختلفة غير متوفرة في جميع الجهات، ويمكن إلزامها بقرارات تنظيمية.

النظر إلى تجارب الدول الناجحة

  • ألمانيا وفرنسا:
    يُسمح للموظفين العموميين بامتلاك الشركات وعضوية مجالس إدارتها، مع شرط الإفصاح والحصول على إذن عند تعارض المصالح.

  • بريطانيا وكندا:
    تسجيل الشركات وعضوية المجالس مسموح بهما مع الإفصاح الكامل عن المصالح.

  • كوريا الجنوبية:
    بعد مشكلات فساد، أُلغيت القيود المطلقة واستُبدلت بنظام لتسجيل تعارض المصالح.

وتُظهر التجارب العالمية أن الحرية الاقتصادية للموظفين، عندما تقترن بالشفافية والمساءلة، تتيح مشاركة شعبية واسعة وتدير تعارض المصالح بفعالية.

الاستفادة من خبرات وكفاءات المتقاعدين

يُعدّ المتقاعدون من موظفي الدولة، بما يمتلكونه من سنوات طويلة من الخبرة العملية والمعرفة المتراكمة، من أهم الموارد الكامنة لتعزيز الاقتصاد الشعبي. ويمكن من خلال إنشاء آليات استشارية واستثمارية موجّهة، تهيئة الظروف لمشاركتهم في الشركات الخاصة والمشروعات الناشئة، من دون إحداث تعارض في المصالح.

ويمكن للمتقاعد أن يعمل كمستشار متخصص، أو عضو غير تنفيذي في مجلس الإدارة، أو مستثمر من دون دور إداري مباشر. كما أن إنشاء شبكات تعاونية للمتقاعدين، وتقديم خدمات الإرشاد (Mentoring) لروّاد الأعمال الشباب—أي نقل الخبرة من ذوي التجربة إلى الأقل خبرة لتحسين النمو واتخاذ القرار—يسهم بشكل ملموس في نقل المعرفة وتوسيع المشاركة الشعبية في الاقتصاد.

مقترحات إصلاح قانوني لإيران

  • التمييز بين مستويات الموظفين:
    يُسمح للموظف العادي بالاستثمار بحرية، وللمديرين الوسطيين مع الإفصاح والشفافية، وللمديرين أصحاب القرار مع قيود خاصة أو اشتراط الحصول على ترخيص.

  • حظر موضوعي لا شخصي:
    يُقيَّد النشاط الاقتصادي فقط في المجال المرتبط مباشرة بالوظيفة الحكومية، دون حظر شامل لتأسيس الشركات.

  • نظام شفافية والإفصاح عن المصالح:
    تسجيل الملكيات وعضويات مجالس الإدارة والشركات العائلية لدى الجهات الرقابية.

  • الملكية دون الإدارة:
    إتاحة تملّك الأسهم للجميع، مع تقييد الأدوار التنفيذية للموظفين العموميين.

  • سقف ملكية ذكي:
    تجاوز نسبة ملكية محددة يستلزم الحصول على موافقة مسبقة.

  • فترة انتقالية لكبار المسؤولين:
    فرض قيود مؤقتة على النشاط في المجال المرتبط بالمنصب السابق بعد تركه.

العوائق الهيكلية والاحتكارية: العدو الخفي للاقتصاد الشعبي

تشمل هذه العوائق الاحتكارات القانونية وشبه القانونية، والريوع المعلوماتية، وتعقيد التراخيص، والقوانين الصارمة لإعادة العملات الأجنبية، والتعريفات الجمركية غير المرنة، وغياب الشفافية في العمليات التجارية. وتُعدّ هذه العوائق مناهضة للتنمية، وتنتهك مبدأي المساواة والحرية الاقتصادية، ويجب أن يكون رفعها في صدارة الأولويات.

تعارض المصالح: الجذر الأساسي للريع والاحتكار

عندما يكون الجهة أو الشخص الذي يضع القوانين أو اللوائح مستفيداً اقتصادياً منها، فإن النتيجة الحتمية هي تعزيز الريع. ويُعدّ الإفصاح عن المصالح، ومنع الجمع بين التصدي والرقابة، والإلزام بالكشف عن المصالح الاقتصادية، أدوات قانونية أساسية لتحقيق اقتصاد شعبي حقيقي.

الجدران القانونية للاقتصاد الشعبي: عوائق يجب هدمها

يُعدّ الاقتصاد الشعبي والتجارة الصغيرة محركي النمو والازدهار في أي دولة، إلا أن الجدران القانونية لا تزال تعرقل طريق الفاعلين الاقتصاديين.

فالعديد من الأنشطة الاقتصادية الشعبية والناشئة—مثل التسويق الشبكي، والتسويق الإلكتروني، والعمل الحر (Freelancing)، والبيع عبر المنصات الرقمية، وتصدير الخدمات الرقمية—ما تزال معلّقة بين الحظر والغموض والاجتهاد الإداري، بسبب غياب أطر قانونية واضحة؛ فلا هي معترف بها رسمياً ولا منظَّمة بشكل سليم.

  • انعدام أمن الملكية:
    رؤوس الأموال الصغيرة وحصص الشركات تظل عرضة للمخاطر في غياب الحماية القانونية.

  • تعقيد العقود والتحكيم:
    النزاعات البسيطة قد توقف الأعمال؛ والإجراءات الطويلة والمكلفة تقتل الثقة.

  • تعقيدات التراخيص والجمارك:
    اللوائح المتناقضة والإجراءات المطوّلة تجعل التجارة الصغيرة بطيئة ومحفوفة بالمخاطر.

  • غياب إطار للتعاملات الرقمية:
    من المحافظ الرقمية إلى العملات المشفرة، تتحرك الأموال في بيئة من الغموض وعدم اليقين.

  • الريع والاحتكار وتعارض المصالح:
    عندما يكون المشرّع أو مانح الترخيص مستفيداً، يُقيَّد وصول الناس ويتحول الاقتصاد إلى ريعي.

والطريق لتجاوز هذه العوائق واضح: تشريعات شفافة، حماية رؤوس الأموال الصغيرة، تحكيم سريع، ضمان الملكية، ورقابة فعالة على تعارض المصالح. وعندما تُهدم هذه الجدران، تتنفس التجارة الصغيرة، ويتشكّل اقتصاد شعبي حقيقي.

دور المؤسسات في إشراك الشعب في الاقتصاد

مجلس الشورى الإسلامي:

  • مراجعة القوانين الاقتصادية مع إعطاء الأولوية لدعم وتسهيل التجارة الصغيرة والصناعات الصغيرة، مع إعادة تعريف دور الصناعات الكبرى وأصحاب النفوذ الاقتصادي كداعمين وشركاء في تمكين الاقتصاد الصغير.

  • إقرار قوانين مكافحة الاحتكار وإدارة تعارض المصالح.

  • إلزام الحكومة بالشفافية التنظيمية والتقارير الدورية.

  • إقرار حوافز قانونية ضريبية وتأمينية ومصرفية للفئات الأقل دخلاً.

الحكومة ومجلس الوزراء:

  • إلغاء اللوائح الزائدة والمتعارضة.

  • تبسيط ورقمنة وذَكْيَنة (أتمتة ذكية) إجراءات الترخيص.

  • إعداد لوائح تنفيذية ميسِّرة لا مقيِّدة.

  • دعم التجارة الصغيرة، والصادرات المحدودة، والاقتصاد القائم على المعرفة.

  • تسهيل وإلزام إنشاء مؤسسات تعاونية في جميع الجهات الحكومية وشبه الحكومية والعسكرية والخاصة.

السلطة القضائية:

  • توفير الحماية القضائية للملكية والعقود والنشاط الاقتصادي المشروع.

  • تطوير نظام تحكيم اقتصادي سريع ومنخفض الكلفة.

  • الاستفادة من خبراء القضاء الرسميين المؤهلين وتمكينهم وتوجيههم.

الجهات الرقابية والأمنية:

يجب على الجهات الرقابية والأمنية مكافحة الفساد والريع وغسل الأموال بجدية، من دون خلق مناخ من الخوف أو عدم اليقين أو التحقيقات غير الضرورية للفاعلين الاقتصاديين السليمين.

الفصل بين النشاط الاقتصادي الشعبي المشروع والمخالفات المنظَّمة

البنوك وشركات التأمين

  • تصميم تسهيلات مالية وتغطيات تأمينية تتناسب مع المشروعات الصغيرة، والشباب، والمتقاعدين.

  • تقديم الدعم الائتماني لمؤسسات التعاون، والتعاونيات، ومختلف الصناديق الشعبية.

  • تنظيم فعّال من قبل البنك المركزي وهيئة التأمين المركزية لتحقيق العدالة الائتمانية وتقليل المخاطر.

  • مقترح تكميلي: تسهيل قبول الضمانات الداخلية المتنوعة، والاعتراف بالقيمة الائتمانية للضمانات الأجنبية.

قبول مختلف أنواع الضمانات

  • على البنوك وصناديق الدعم الشعبي قبول أنواع متعددة من الضمانات الداخلية والخارجية.

  • ضمان الذهب والأموال المنقولة وغير المنقولة:
    تُعد هذه الضمانات وثائق قانونية يمكن أن تكفل القروض الصغيرة واستثمارات المواطنين، شريطة التقييم الفني والتحكيم من خبراء القضاء.

  • الضمانات الأجنبية:
    ينبغي الالتفات إلى أهميتها ودورها في بناء المصداقية المالية للأفراد والمنشآت الصغيرة.

  • إنشاء الائتمان الداخلي:
    يجب توفير إمكانية خلق الائتمان داخل البلاد بدعم قانوني من المؤسسات الوطنية.

  • اعتماد الضمانات الداخلية للتجارة:
    يتعيّن وضع وتنفيذ قوانين وإجراءات واضحة لاعتماد وتسجيل واستخدام الضمانات الداخلية في الأنشطة التجارية.

تطوير التجارة والصناديق وسلّم المشاركة الشعبية

  • تنمية التجارة الصغيرة من خلال تعريفات داعمة، وتأمين مناسب، وضمانات داخلية وخارجية، مع قيام الصناعات الكبرى بدور تكميلي في إتمام دورة التجارة.

  • الاعتراف القانوني بمؤسسات التعاون وصناديق المشاركة الشعبية كهيئات عامة غير حكومية.

  • الهدف: انتقال المواطنين من مستوى الوعي إلى المشاركة، ثم الاستثمار، وصولاً إلى الملكية وصنع القرار.

الحلول القانونية لكسر الاحتكار وتهيئة دخول التجارة الصغيرة إلى الأسواق عالية الربحية

من المنظور القانوني، يتطلب تفكيك الاحتكارات في الأسواق عالية الربحية تعزيز قوانين المنافسة، وزيادة شفافية التراخيص، والحد من الامتيازات الحصرية. كما أن خفض عوائق الدخول عبر إلغاء التراخيص غير الضرورية، وتحديد سقوف لتركيز السوق، وإلزام نشر شروط النشاط بشكل علني، يهيئ الإطار القانوني لدخول الفاعلين الصغار.

إضافة إلى ذلك، فإن إنشاء أطر تعاقدية عادلة—مثل المقاولة من الباطن، والكونسورتيومات الصغيرة، وضمان الوصول المتكافئ إلى البنية التحتية وسلاسل الإمداد—يمكّن التجارة الصغيرة من المشاركة في الأسواق المحتكرة. كما أن إقرار حوافز قانونية وداعمة لتشجيع الشركات الكبرى على التعاون مع الوحدات الصغيرة يمهّد الطريق لكسر الاحتكار وتحقيق الطابع الشعبي للتجارة عالية الربحية.

الجمارك الذكية: منصة انطلاق للإنتاج والتجارة الشعبية

أدّت الثغرات القانونية في الجمارك إلى جعل مسار المنتجين المحليين والمشروعات الصغيرة محفوفاً بالمخاطر والتكاليف. فالتراخيص المعقّدة، والتعاميم المتضاربة، وغياب الشفافية في التخليص الجمركي، أدّت إلى تعطيل رؤوس الأموال الصغيرة بدلاً من تنميتها.

الحلول القانونية البسيطة تشمل:

  • توضيح القوانين والإجراءات الجمركية من خلال تعليمات رقمية واضحة وقابلة للتنفيذ.

  • تسهيل وتسريع تخليص السلع المحلية والمشروعات الصغيرة.

  • دعم قانوني للمنتجين المحليين لتحقيق منافسة عادلة مع السلع المستوردة.

  • إنشاء قنوات خاصة للتجارة الصغيرة والتعاونيات الشعبية لتحويل رؤوس الأموال الصغيرة إلى نشاط منتج.

وعندما يصبح المسار القانوني واضحاً وبسيطاً، يكتسب المنتج الثقة، وتنمو التجارة الصغيرة، ويتنفس الاقتصاد الشعبي من جديد.

«الجمارك الذكية ليست عائقاً، بل منصة انطلاق للاقتصاد الوطني والشعبي».

مردميّة الاقتصاد من منظور قانوني:

التعليم، التيسير، والتكامل المؤسسي في التجارة الصغيرة**

من المنظور القانوني، لا تتحقق مردميّة الاقتصاد دون تمكين قانوني وتجاري للفاعلين الاقتصاديين الصغار. وتُظهر تجارب الدول الناجحة أن التعليم لا يكون فعّالاً إلا إذا اقترن بالوعي القانوني بالعقود، ولوائح التجارة الداخلية والخارجية، والحقوق المهنية، وآليات حل النزاعات.

وفي هذا الإطار، تؤدي النقابات المهنية، ووزارة الزراعة، وغرف التجارة، ومراكز تنمية التجارة—من خلال إنشاء مراكز استشارية قانونية وتجارية مجانية على مستوى المحافظات والمدن—دوراً تسهيلياً قانونياً مهماً للمشروعات الصغيرة.

ومن زاوية القانون العام والتجاري، تُعد الجمارك ركناً أساسياً في مردميّة الاقتصاد؛ إذ إن توفير مسارات قانونية مبسطة، وتخفيف الإجراءات، والدعم التنظيمي للمصدرين الصغار، وتقليل التكاليف الإدارية، يفتح أمام المشروعات الصغيرة أبواب الأسواق الإقليمية والدولية.

إن التحالف الاستراتيجي بين هذه الجهات، مع الحفاظ على استقلالها القانوني، في إطار مذكرات تفاهم وكونسورتيومات غير احتكارية، ليس ممكناً فحسب بل ضروري. وفي هذا النموذج، تقوم الصناعات الكبرى بدور الداعم القانوني والاقتصادي عبر إسناد الإنتاج، ونقل المعرفة، وضمان الشراء، وإبرام عقود عادلة، بما يُكمل دورة التوريد والإنتاج للصناعات الصغيرة.

وتتمثل التحديات القانونية الأساسية في تشتّت القوانين، وضعف ضمانات التنفيذ، وغياب حوافز التعاون المؤسسي. والحل يكمن في إصلاح تشريعي قائم على التيسير، واستحداث حوافز قانونية ومالية، والاعتراف الرسمي بالائتلافات الإقليمية، وترسيخ الاستشارات القانونية والتجارية المجانية—وهو المسار الذي يوفّر البنية القانونية لمردميّة الاقتصاد الحقيقية.

ائتلاف قانوني لمردميّة الاقتصاد:

ربط المؤسسات بالجامعات

من المنظور القانوني، لا يكون تشكيل ائتلاف استراتيجي بين المؤسسات الاقتصادية في البلاد—بما يشمل الجمارك، وغرف التجارة، وغرف الأصناف، ووزارة الجهاد الزراعي، ومراكز تنمية التجارة—فعالاً ومستداماً إلا إذا اقترن بتعاون رسمي مع الجامعات وكليات الحقوق من خلال مذكرات تفاهم واضحة. ويتيح هذا التعاون، مع الحفاظ على الاستقلال المؤسسي، الاستفادة من الطاقات العلمية والبحثية لمعالجة التحديات الواقعية للتجارة الصغيرة.

ويمكن للمؤسسات الجامعية، من خلال تحديد موضوعات تطبيقية لرسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه، وتقديم حلول قانونية مبتكرة، ونشر أبحاث متخصصة، وإجراء مقابلات علمية، وتوضيح آليات المطالبة القانونية بالحقوق، أن تكشف الثغرات القانونية والتنفيذية في مردميّة الاقتصاد، وأن تمهّد طريق الإصلاح بوضوح وفاعلية. إن هذا الربط بين العلم والتطبيق يوفّر أساساً لسياسات قانونية أدق، ودعماً أكثر فعالية للفاعلين الاقتصاديين الصغار.

الصرافات: ميسّر آمن للتجارة الصغيرة وتقليل أثر العقوبات

تُظهر تجربتا الصين وروسيا أن العقوبات لا تمنع التجارة الشعبية والصغيرة إذا توفرت مسارات قانونية آمنة ومرنة. ويمكن للصرافات تعويض القنوات المصرفية المقيّدة وإدخال رؤوس الأموال الصغيرة إلى الاقتصاد. إلا أن العوائق القانونية—مثل غياب إطار واضح لحفظ الودائع، وقيود تحويل الأموال، والغموض القانوني—قد أضعفت ثقة الناس والفاعلين الاقتصاديين.

الحلول العملية تشمل:

  • حفظ الودائع في حسابات أمانة أو تراست مع ضمانات قانونية وتأمينية.

  • استخدام أدوات بديلة مثل الحوالات الداخلية، والمقايضة السلعية، والعملات المحلية.

  • توزيع المخاطر بين عدة جهات أمينة مع تقارير شفافة لتعزيز الثقة العامة.

  • قبول الضمانات العينية وضمانات التأمين والبنوك لطمأنة الأطراف.

  • إزالة القيود غير الضرورية على الاستثمار والمشاركة الاقتصادية للأفراد والمشروعات الصغيرة.

بهذه الآليات، تتحول الصرافات إلى أدوات تجعل التجارة الصغيرة آمنة وسريعة وشعبية، وتغدو العقوبات تحدياً قابلاً للإدارة لا عائقاً مشلولاً.

التراستات: الضمان القانوني وأمن المعاملات

تُعد التراستات أو الجهات الأمينة دعامة قانونية وتأمينية للمعاملات. وتشمل العوائق الحالية ضعف التعريف القانوني، وغياب ضمان المسؤولية، وعدم شفافية العمليات.

الحلول العملية:

  • الاعتراف القانوني الصريح بالتراستات وتحديد مهامها ومسؤولياتها.

  • قيام التراست بدور الأمين القانوني والمالي الذي يحتفظ بالأموال والأصول ويطلقها بعد تنفيذ الالتزامات.

  • دمجها مع الصرافات وحسابات الأمانة لإنشاء شبكة آمنة ومرنة وشفافة.

  • تعزيز الشفافية في الملكية والمعاملات والالتزامات لبناء الثقة العامة.

تُقلّل هذه الأدوات من مخاطر المعاملات، وتحول رؤوس الأموال الصغيرة إلى تجارة منتجة، وتفتح الباب أمام مشاركة شعبية حقيقية ومستدامة في الاقتصاد.

التعامل الذكي مع العقوبات:

دروس من الصين وروسيا ومسارات التجارة الآمنة**

لقد قيّدت العقوبات القنوات المصرفية الرسمية، غير أن المشكلة الحقيقية ليست نقص الموارد، بل غياب آليات قانونية مرنة لنقل الأموال بأمان. وتبيّن تجربتا الصين وروسيا أن العقوبات يمكن تحييدها دون تهور أو مخاطر.

تعتمد الصين على شبكات متعددة المستويات لنقل الموارد:

  • التسوية بالعملات المحلية والمقايضة

  • حسابات أمانة لحفظ الأموال حتى تنفيذ الالتزامات

  • مؤسسات وسيطة موثوقة تراقب الالتزام

وفي روسيا، مكّنت صناديق الضمان المشتركة، والعقود متعددة المراحل، والتراستات، من استمرار التجارة رغم القيود المصرفية. كما ساهم التركيز على التسوية الداخلية بالروبل، والشبكات متعددة المستويات، والعقود المضمونة في تقليل مخاطر العقوبات وإشراك القطاع الخاص والتجارة الصغيرة بفاعلية.

العنصر المشترك في التجربتين هو التراستات (الأمناء التجاريون): مؤسسات تقف بين البائع والمشتري بعقود قانونية وضمانات وتأمين مسؤولية، تحتفظ بالأموال وتفرج عنها بعد تنفيذ الالتزامات. وهي ليست صرافات ولا وسطاء، بل أدوات لبناء الثقة وتيسير التجارة الآمنة والسريعة. ويمكن توسيع هذا النموذج في أطر إقليمية مثل بريكس، حيث تحل صناديق الضمان المشتركة والتراستات والتسويات بالعملات المحلية محل المسارات التقليدية عالية المخاطر.

حلول قانونية لإيران:

  • الاعتراف القانوني بالتراستات ومسؤولياتها

  • شفافية المعاملات وحماية الأموال قانونياً

  • تأمين المسؤولية والرقابة الدقيقة لبناء الثقة العامة

  • دمجها مع الصرافات وحسابات الأمانة لإنشاء شبكة آمنة ومرنة وشعبية

بهذا الإطار، تتحول العقوبات من عائق مشلول إلى تحدٍّ قابل للإدارة، ويُفتح طريق التجارة الآمنة والمستدامة والشعبية.

عوائق نقل وجذب الموارد المالية

أدّى غياب الإطار القانوني الواضح للمدفوعات، والتسويات، والمحافظ الرقمية، والمنصات المالية، والعملات المشفرة، وأدوات التحويل الحديثة، إلى توجيه جزء كبير من رؤوس الأموال الشعبية نحو مسارات غامضة ومحفوفة بالمخاطر. وكانت النتيجة نمو مشاريع احتيالية، وتزايد جرائم النصب المالي، وتكدّس القضايا القضائية، بما لا يخدم لا الناس ولا النظام القضائي.

وفي مجال التجارة، أصبحت التحويلات المالية المرتبطة بالتصدير والاستيراد والجمارك والعقود الدولية والتجارة الرقمية مكلفة وخطرة بسبب غياب مسار قانوني واضح. فعندما يغيب الطريق القانوني البسيط والموثوق، إما يتوقف رأس المال أو يتجه إلى قنوات غير رسمية تنتهي غالباً بنزاعات قانونية وخسائر اقتصادية.

وفي الاقتصاد الرقمي—من التكنولوجيا المالية إلى المصرفية الإلكترونية—لم يحدّد القانون بعد بشكل واضح المسؤوليات والملكية وحقوق الناس في نقل الموارد المالية. وقد أضعف هذا الفراغ الثقة العامة ومنع مشاركة شعبية واسعة.

سدّ هذه الثغرات القانونية ليس إصلاحاً تقنياً فحسب، بل محرّك اجتماعي. فعندما يطمئن الناس إلى أن:

  • نقل الأموال آمن وقانوني

  • العقود شفافة وقابلة للدفاع

  • حقوق رؤوس الأموال الصغيرة معترف بها

تنشأ حركة اقتصادية عامة، ويتجه الاستثمار نحو أنشطة منتجة ومستدامة بدل السلوكيات المضاربية.

إن مردميّة الاقتصاد تتحقق فقط عندما تدخل رؤوس الأموال، صغيرة كانت أم كبيرة، إلى التجارة والإنتاج عبر مسارات آمنة وشفافة وقانونية. والمشكلة اليوم ليست نقص رأس المال، بل غياب طرق موثوقة لجذبه ونقله.

وتُظهر التجارب العالمية أن أدوات مثل خطوط الائتمان المصرفية، وحسابات الأمانة، وصناديق الضمان الصغيرة، والاعتمادات المستندية، وسندات المشاركة، والتسويات الإقليمية، والمدفوعات الرقمية—إذا نُظِّمت قانونياً بوضوح—تُفعّل مشاركة الناس على نطاق واسع. وتؤدي هذه الشفافية إلى تعزيز الثقة العامة، وتقليل المخاطر، وتسريع تدفق رأس المال، وتحويل المواطنين من متلقي إعانات إلى شركاء حقيقيين في الاقتصاد. ومن دون هذه المسارات الآمنة، ستبقى مردميّة الاقتصاد مجرد شعار.

ملاحظات ختامية

لا يتشكل الاقتصاد الشعبي من دون أمن قانوني، ولا يتحقق الأمن القانوني من دون قوانين حديثة وشفافة. وعندما توضع السكة القانونية الصحيحة، يتحرك رأس المال الشعبي، وتتوطد الثقة العامة، ويستعيد الاقتصاد الوطني عافيته.

إن الحكومة والبرلمان ملزمان بضمان حق المواطنين في المشاركة الاقتصادية، لا بالشعارات بل بالقانون والتنفيذ. وتشكل المبادئ الدستورية التالية منارات تهدي طريق الاقتصاد الشعبي:

  • المادة 3: العدالة الاجتماعية

  • المادة 20: تكافؤ الفرص

  • المادة 22: أمن الملكية

  • المادة 43: الاستقلال الاقتصادي

  • المادة 44: فتح المجال الاقتصادي أمام الشعب

  • المادة 48: تحقيق العدالة الإقليمية والاجتماعية

هذه المبادئ تنقل مردميّة الاقتصاد من مستوى الشعار إلى واجب دستوري وقانوني ملزم.

مقالات ذات صلة