أخبار إيران

عزلةُ الحِرَفيّين في خِضَمّ الأزمة

في العام الماضي، ومع تفاقم اختلالات توازن الطاقة، وضعت الحكومة إعداد حِزَم دعم لتعويض جزء من خسائر القطاعات الصناعية على جدول أعمالها. وكان من المفترض أن تُخفّف هذه الحِزَم الضغوط على السيولة في المنشآت الإنتاجية من خلال «إمهال الديون المصرفية»، و«تأجيل الضرائب»، و«إصدار شهادات إيداع». غير أنّ استمرار اختلالات التوازن أدّى إلى اتساع الفجوة بين السياسات المُعلنة والوقائع التنفيذية. فقد وضعت الإغلاقات القسرية، في ظل غياب آليات داعمة، القطاع الصناعي في مسار استنزافي. ويرى الفاعلون الاقتصاديون أنّه في حال غياب سياسات فعّالة، فإن تراجع الاستثمار وتفاقم الركود في قطاع الإنتاج سيصبحان أمرًا لا مفرّ منه.

أعلنت الحكومة، بالتزامن مع تصاعد التحذيرات بشأن اختلال توازن الطاقة وتأثيراته على الإنتاج، عن إعداد حزمة دعم للصناعات، كان من المفترض أن تعوّض جزءًا من الخسائر الناجمة عن انقطاع الكهرباء والغاز، وتخفف من ضغوط السيولة على كاهل المنشآت الإنتاجية. وشملت المحاور الرئيسية لهذه الحزمة تأجيل الضرائب، وإمهال ديون التأمين الاجتماعي، وتعاون النظام المصرفي في توفير رأس المال العامل وتسهيل سداد الالتزامات؛ وهي وعود بعثت آنذاك أملاً جديدًا في أوساط الفاعلين الصناعيين.

إلا أنه مع مرور الأشهر، وفي الوقت الذي لم يُعالج فيه اختلال توازن الطاقة، بل تحوّل إلى أحد الحقائق الدائمة للإنتاج خلال العام الجاري، تتسع الفجوة يومًا بعد يوم بين السياسات المعلنة والواقع التنفيذي. فلا تزال حالات الإغلاق القسري، وتقليص ساعات الإنتاج، والانقطاعات المتكررة في إمدادات الكهرباء والغاز مستمرة، من دون وضع آلية واضحة لتعويض الوحدات التي خرجت قسرًا من دائرة الإنتاج.

في هذا السياق، تواصل التكاليف الثابتة للإنتاج الضغط على الصناعيين بلا توقف. فمن البديهي أن تُدفع أجور العمال في مواعيدها، وأن تطالب جهات الضرائب والتأمين الاجتماعي بمستحقاتها عند الاستحقاق، فيما تقوم الأجهزة التنفيذية بتحصيل مطالباتها كاملة، من دون أي اعتبار لتراجع الإنتاج. وفي المقابل، أصبح الوصول إلى التسهيلات المصرفية لتأمين رأس المال العامل أصعب من أي وقت مضى، كما أن ارتفاع أسعار الفائدة جعل الاستفادة من الائتمان غير مجدية اقتصاديًا لكثير من الوحدات الإنتاجية.

لقد تحوّلت الفجوة بين التزامات الدولة والظروف الفعلية للإنتاج إلى أحد أبرز هموم القطاع الصناعي اليوم. ويحذّر الفاعلون الاقتصاديون من أن استمرار هذا الوضع لن يؤدي فقط إلى استنزاف قدرات المنشآت، بل سيفضي أيضًا إلى تآكل رأس المال، وتعميق الركود، وإضعاف فرص العمل في القطاع المنتج؛ وهو مسار لا يمكن تصحيحه إلا عبر قرارات تنفيذية فعلية، لا عبر تكرار الوعود.

عدم تعويض الخسائر من قبل الدولة

وفي هذا الإطار، قال عباس جبالبارزي، نائب رئيس لجنة الصناعة في غرفة التجارة، مشيرًا إلى استمرار الإغلاقات القسرية للوحدات الإنتاجية بسبب اختلال توازن الطاقة: «في أواخر العام الماضي، طُرحت مصوبات تقضي بشمول الوحدات التي تُغلق قسرًا بسبب انقطاع الكهرباء أو الغاز ببعض أشكال الدعم الحكومي، مثل تأجيل أو تخفيض الضرائب، وإعفاء غرامات التأمين الاجتماعي وبعض التكاليف الأخرى. لكن الواقع هو أن هذه المصوبات لم تُنفّذ حتى اليوم بشكل فعّال».

وأضاف: «رغم استمرار الإغلاقات القسرية، لم يُطبَّق أي دعم يتناسب مع هذه الظروف، لا في المجال الضريبي ولا في قطاع التأمين الاجتماعي. وعلى خلاف ما أُعلن، لا تزال الضرائب وأقساط التأمين تُطالَب كاملة، ولم تُعفَ حتى الغرامات».

وأوضح جبالبارزي، في إشارة إلى المادة 25 من قانون تحسين بيئة الأعمال، أن الدولة لا يحق لها قطع مسار الإنتاج الصناعي بسبب نقص الكهرباء أو الغاز أو المياه أو غيرها من حوامل الطاقة، وإذا حدث ذلك فهي ملزمة بتعويض الخسائر. والاستثناء الوحيد هو الحالات الطارئة أو الحرجة بموافقة مجلس الأمن، وهي حالات محدودة زمنيًا ولا يمكن تعميمها على الوضع الراهن. وأضاف أن ما نشهده اليوم من اختلال في الطاقة ليس أزمة مفاجئة كالحرب أو الزلزال، بل نتيجة تراكم سياسات خاطئة على مدى سنوات، وبالتالي فإن وصف هذا الوضع بـ«الظرف الطارئ» والاحتجاج به لعدم التعويض يثير إشكالات قانونية جدية.

وأشار إلى أن العديد من الوحدات الصناعية تواجه، منذ بداية فترات التقنين وحتى نهاية الصيف، انقطاعات بمعدل يوم إلى يومين أسبوعيًا. وإذا ما حُسب ذلك شهريًا وعلى مدى ستة أشهر، فإنه يعادل نحو شهرين من التوقف القسري عن الإنتاج، من دون أي تعويض.

وأضاف أن حجم الخسائر يختلف من منشأة إلى أخرى؛ فقد تتكبد وحدة كبيرة عشرات أو مئات المليارات من التومانات، فيما تبقى الخسائر بالنسبة للوحدات الصغيرة غير قابلة للتجاهل أيضًا. لكن القاسم المشترك هو أن أيًا من هذه الخسائر لم يُعوَّض. وأكد أن الحكومة، رغم اعترافها بالمشكلة، تبرر عدم التعويض بعجز الميزانية، في حين أن عدم التعويض سيؤدي لاحقًا إلى إضعاف الإنتاج وتقليص الاستثمار وتفاقم الأزمات الاقتصادية.

مخاطر جدية تهدد الصناعة

من جهته، قال بهرام سبحاني، رئيس جمعية منتجي الصلب، إن التوقع كان أن تُعِدّ الحكومة حزم دعم واضحة للصناعات المتضررة خلال فترات تقييد الكهرباء والغاز، إلا أن ما تحقق فعليًا كان بعيدًا عن الوعود. وأوضح أن بعض الإجراءات المؤقتة، مثل تأجيل محدود للضرائب بعد حرب الأيام الاثني عشر، لم تتحول إلى سياسة مستدامة، بينما بقي الضغط الأساسي على عاتق المنتجين.

وأضاف أن الأجهزة الحكومية المطالِبة ما زالت تطلب مستحقاتها كاملة، رغم توقف أو تراجع الإنتاج، وأن ذلك يفرض ضغطًا حادًا على السيولة، خاصة مع اضطرار الوحدات إلى اللجوء إلى القروض المصرفية بأسعار فائدة تجاوزت 40%. وحذر من أن استمرار هذا الوضع من دون دعم فعّال سيقود إلى تراجع دائم في الإنتاج وإضعاف القدرة التنافسية لصناعة الصلب.

لم يُتخذ إجراء فعّال

وقال محمدرضا غفراللهي، عضو غرفة التجارة الإيرانية، إن الحديث عن الإعفاءات أو التأجيلات بقي في إطار التصريحات، دون تنفيذ ملموس. وأكد أن حتى يوم تعطيل واحد أسبوعيًا يعني فقدان نحو 20% من وقت العمل، بينما تبقى التكاليف الثابتة قائمة بالكامل، ما يرفع كلفة الإنتاج ويضعف القدرة التنافسية محليًا وخارجيًا. وشدد على أن استمرار هذه الأوضاع، من دون آليات تعويضية، سينقل كلفتها في النهاية إلى مجمل الاقتصاد.

وختم بأن ما يمر به القطاع الصناعي اليوم ليس أزمة مفاجئة، بل أزمة استنزاف تدريجي، وإذا لم تُتخذ قرارات منسقة وشفافة وقابلة للتنفيذ، فإن الصناعة ستواصل مسيرتها بحذر، وبقدرة أقل، وبصوت أخفت؛ وهي مسيرة ستظهر آثارها عاجلًا أم آجلًا على الاقتصاد الكلي./ دنیاي اقتصاد

مقالات ذات صلة