أخبار العالم

«جنةُ المحيط الهادئ» جبهةٌ جديدة في التنافس بين الولايات المتحدة والصين

يبدو أنَّ جنوبَ المحيطِ الهادئ أصبح جبهةً جديدةً غيرَ متوقَّعة في التنافس بين الولايات المتحدة والصين على الموارد المعدنية في العالم.

تكتب صحيفة وول ستريت جورنال في تقرير لها:

في شهر أكتوبر، وصلت سفينة أبحاث أمريكية إلى جزر كوك الواقعة في جنوب المحيط الهادئ، بهدف التقاط صور عالية الدقة لقاع البحر. وبعد أسابيع قليلة، وصلت سفينة صينية للغرض نفسه. هذه الجزر، التي تُعرف بـ«جنة المحيط الهادئ»، تحولت اليوم إلى ساحة تنافس بين بكين وواشنطن.

تسعى الولايات المتحدة والصين إلى استغلال احتياطيات جديدة من العناصر الأرضية النادرة اللازمة لصناعة السيارات، والطائرات المقاتلة، ومنتجات أخرى، إضافة إلى معادن استراتيجية ضرورية لمنتجات مثل البطاريات. وتسيطر الصين حاليًا على نحو 90% من الإمدادات العالمية المكررة من العناصر الأرضية النادرة، ما يمنحها نفوذًا كبيرًا في مواجهة الولايات المتحدة.

تمتلك دول جنوب المحيط الهادئ ثروات معدنية هائلة، لكنها بقيت إلى حد كبير غير مستغلة حتى الآن.

لطالما اقترح الباحثون في مجال الطاقة استخراج المعادن من قاع المحيط، على غرار عمليات الحفر البحرية التي تقوم بها شركات النفط، غير أن هذه الجهود لم تُحقق نجاحًا يُذكر، نظرًا للتكاليف المرتفعة والأضرار البيئية المحتملة الناجمة عن تجريف قاع البحر.

لكن التنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين أعاد التعدين البحري إلى دائرة الضوء. وأصبحت أماكن مثل جزر كوك ساحات مثالية لهذا الصراع الجيوسياسي.

في وقت سابق من هذا العام، توصلت جزر كوك إلى اتفاق مثير للجدل مع الصين، اقترحت فيه السماح لبكين باستكشاف قاع البحر المحيط بأراضيها مقابل استثمارات في البنية التحتية وقطاع صيد الأسماك. ورغم الإعلان عن وجود الاتفاق، ظلت بعض تفاصيله سرية في البداية، ما أثار احتجاجات محلية وانتقادات من قادة إقليميين.

وسارعت بكين إلى دعوة قادة جزر كوك لزيارة الصين وعرض تقنيات التعدين لديها، كما قدمت برامج تدريب ومنحًا دراسية لطلاب من الجزر للدراسة في الصين.

وفي المقابل، وبقلق من تخلفها عن الصين وخسارة هذه «الجنة البحرية»، وقّعت الولايات المتحدة في أغسطس اتفاقًا مع جزر كوك يتعلق بالاستكشاف وتمويل التعدين المحتمل لقاع البحر.

قام ديفيد كابلي، الضابط السابق في البحرية الأمريكية والمسؤول الحالي عن سياسات المعادن في إدارة ترامب، بزيارة شخصية إلى راروتونغا، الجزيرة الأكثر سكانًا في أرخبيل كوك.

وقال كلفن باسفيلد، المدير الفني لجمعية Te Ipukarea، وهي منظمة بيئية محلية غير ربحية:
«هذه الجزر تملك القدرة على أن تصبح لاعبًا قويًا، لكن هل لدينا القدرة على اللعب مع العمالقة؟ وهل ندرك حقًا ما الذي نُقحم أنفسنا فيه؟»

جهود متزايدة

تعكس مساعي واشنطن في جزر كوك نهجًا غير معتاد ومتزايد لإدارة ترامب يهدف إلى تأمين الموارد التي تُعد ضرورية للأمنين الاقتصادي والعسكري للولايات المتحدة، خاصة بعد أن ألحقت الصين هذا العام أضرارًا بالشركات الأمريكية عبر تقييد الوصول إلى المعادن النادرة.

في يوليو، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) نيتها شراء 15% من أسهم شركة MP Materials، أكبر منتج للعناصر الأرضية النادرة في الولايات المتحدة، في صفقة تُقدَّر بمليارات الدولارات. وقبل ذلك بشهرين، مارست واشنطن ضغوطًا على أوكرانيا لتوقيع اتفاق يمنح الولايات المتحدة حق الوصول إلى معادنها مقابل الدعم العسكري الأمريكي.

أصبحت المعادن البحرية الآن أولوية أكبر. ففي أبريل، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا لتسريع تطوير التعدين في أعماق البحار، متعهدًا بالموافقة على طلبات الشركات لبدء التعدين في المياه الدولية.

أثار هذا القرار شكوكًا قانونية، إذ تخضع مناطق أعماق البحار لمعاهدات الأمم المتحدة، لا لسيادة الدول منفردة. ومع ذلك، تقدمت شركة كندية تُعرف باسم The Metals Company بطلب للحصول على ترخيص أمريكي للتعدين في المحيط الهادئ بين المكسيك وهاواي.

يُعد الوصول إلى الموارد في جزر كوك أسهل نسبيًا، إذ تقع المعادن ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للجزر، ما يمنحها نظريًا حق منح التراخيص لمن تشاء، رغم أن حداثة هذا القطاع تترك العديد من الأسئلة القانونية دون إجابة.

وقالت آنا كيلي، نائبة المتحدث باسم البيت الأبيض:
«ترامب جعل توسيع إنتاج المعادن الحيوية أولوية غير مسبوقة».

كما نشرت إدارة ترامب مؤخرًا قائمة بمناطق الاستكشاف المحتملة في المياه الأمريكية، بما في ذلك السواحل قبالة كاليفورنيا وألاسكا وهاواي، وهي مناطق لا تخضع لقوانين الأمم المتحدة.

وأعربت بعض دول أوقيانوسيا، مثل كيريباتي وناورو، عن تأييدها للتعدين البحري، في حين عارضته دول أخرى، محذرة من مخاطره الكبيرة في ظل نقص المعرفة العلمية.

جزيرة الجنة

قد تمثل هذه التطورات تحولًا جذريًا بالنسبة لجزر كوك.

يتألف هذا الأرخبيل، الذي سُمي على اسم المستكشف البريطاني جيمس كوك، من 15 جزيرة تمتد على مساحة تعادل تقريبًا مساحة السعودية.

يعتمد اقتصاد الجزر بشكل كبير على المساعدات الخارجية والسياحة، فيما هاجر كثير من السكان إلى دول مثل نيوزيلندا بحثًا عن فرص أفضل، تاركين عدد السكان عند نحو 15 ألف نسمة.

يتم استيراد معظم المواد الغذائية، باستثناء الأسماك وجوز الهند وبعض الخضروات الجذرية. ويضطر سكان الجزر النائية إلى السفر أيامًا بالقوارب للحصول على الرعاية الطبية الأساسية. كما تنتشر مشكلات السمنة وتعاطي الكحول.

وبفضل موقعها قرب خطوط الصدع التكتونية، تحيط بجزر جنوب المحيط الهادئ احتياطيات معدنية هائلة محتملة، تظهر على شكل عُقد صغيرة متناثرة في قاع البحر، تشبه كرات الغولف السوداء، ومليئة بالكوبالت والنحاس والمنغنيز وبعض العناصر الأرضية النادرة.

يعتقد مسؤولو جزر كوك أن عائدات التعدين البحري يمكن أن تمول بناء مستشفيات ومدارس أفضل، على غرار ما فعله النفط بالنرويج.

وقال مفوض هيئة معادن قاع البحر في جزر كوك:
«حماية المحيط ضرورة، لكن الفوائد الاقتصادية للتعدين ستكون كبيرة للغاية».

لعبة القوى

تمتلك الصين نفوذًا طويل الأمد في الجزر، حيث أنشأت مركز شرطة محليًا، ومدرسة ابتدائية، ونظام ري في راروتونغا.

كما قدمت بكين نحو 2.3 مليون دولار من المساعدات والبنية التحتية بموجب اتفاق وُقع في فبراير، مقابل التعاون في أبحاث واستكشاف التعدين في أعماق البحار.

وشهدت راروتونغا مظاهرات، بينما علّقت نيوزيلندا، المزود التقليدي الأكبر للمساعدات، دعمها، مطالبة بخطوات لإعادة بناء الثقة.

وردًا على ذلك، كثفت واشنطن جهودها الدبلوماسية. ففي سبتمبر 2023، أقامت الولايات المتحدة علاقات دبلوماسية مع جزر كوك ضمن مبادرة أطلقها الرئيس السابق جو بايدن لتعزيز الوجود الأمريكي في المنطقة ومواجهة الصين.

وبموجب اتفاق أغسطس، أرسلت واشنطن ممثلين عن الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي للقاء منظمات بيئية محلية، ثم أُرسلت السفينة البحثية EV Nautilus، بطول يقارب 220 قدمًا، مزودة بمركبات تعمل عن بُعد وأنظمة رسم خرائط صوتية، في مهمة استمرت 21 يومًا لدراسة قاع البحر.

بالنسبة لكثير من سكان راروتونغا، يسود شعور بالعجز إزاء التنافس الأمريكي–الصيني والتعدين في أعماق البحار، رغم أن التعدين لم يُشرَّع رسميًا بعد، واقتصرت الموافقات حتى الآن على تراخيص الاستكشاف.

ويقول بعض السكان:
«أنتم تتحدثون عن قوى عظمى. نحن مجرد أناس عاديين. هم من سيسيطرون على الوضع، لا نحن»./ تسنیم

مقالات ذات صلة