تفكك الغموض: كيف يؤدّي تصعيد ترامب الخطابي في مارالاغو إلى تقييد الإستراتيجية الإسرائيلية تجاه إيران

أسامة آل جعفر، مراسل «صدای سَما» في الولايات المتحدة الأمريكية
تحليل استراتيجي
شكّل اللقاء الأخير بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو في مارالاگو نقطة تحوّل بالغة الأهمية في الحسابات الاستراتيجية المتعلقة بإيران. فعلى عكس ما كان متوقعاً من أن يمنح هذا اللقاء نتنياهو زخماً دبلوماسياً إضافياً أو تفويضاً أقوى، جاءت تصريحات ترامب العلنية بنتيجة معاكسة تماماً، إذ أدت إلى كشف الموقع الاستراتيجي لإسرائيل وتعريته. هذه الواقعة تتجاوز كونها استعراضاً سياسياً، فهي تمثل تفكيكاً متعمداً للغموض الاستراتيجي الذي شكّل لعقود أحد أهم أدوات ضبط التصعيد بين طهران وتل أبيب. والنتيجة ليست تعزيز الردع، بل تضييق مسارات التهدئة وزيادة احتمالات سوء التقدير.
I. الدور الاستراتيجي للغموض وتقويضه المتعمّد
اعتمدت الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه إيران تقليدياً على غموض محسوب. فمن جهة، تُعلن إسرائيل أن الأنشطة النووية والإقليمية الإيرانية تشكل تهديداً وجودياً، لكنها عملياً تجنبت الحرب الشاملة، مفضّلةً عمليات سرية وضربات محدودة وضغوطاً تدريجية ضمن ما يُعرف بـ«الحملة بين الحروب». هذا التناقض ليس خللاً، بل أداة مدروسة تتيح لإسرائيل ممارسة الضغط مع الحفاظ على هامش إنكار وإدارة مستويات التصعيد وتجنب كلفة الحرب العلنية.
غير أن لقاء مارالاگو قوّض هذا الإطار بشكل واضح. تصريحات ترامب لم تكن عفوية، بل عكست تبنّياً صريحاً لعقيدة الحرب الوقائية. دعمه العلني لضرب المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية، وحديثه عن قاذفات B-2، ووعده بـ«القضاء» على أي قدرات يتم إعادة بنائها، حول الخطوط الحمراء الضمنية إلى تهديدات علنية. هذا التحول بالغ الخطورة، إذ إن الإعلان الصريح يخلق توقعات عامة ويقلّص هامش المناورة الدبلوماسية. ما كان خياراً كامناً لدى نتنياهو بات الآن سياسة معلنة يتحمل هو وحده تبعاتها.
II. التناقض بين الخطاب والواقع الميداني
يتزامن هذا التصعيد الخطابي مع واقع ميداني يناقض رواية «العدوان الإيراني الدائم». فالتسلسل الزمني لأحداث يونيو 2025 يوضح الصورة:
-
الضربة الإسرائيلية الأولى: نفذت إسرائيل هجوماً موجهاً ضد أهداف إيرانية.
-
الرد الإيراني المحسوب: جاء الرد الإيراني قوياً لكنه مدروس لتأكيد القدرة الردعية دون الانجرار إلى حرب شاملة.
-
ما بعد المواجهة: إعادة بناء البنى التحتية وتعويض القدرات الصاروخية واستمرار الأنشطة النووية السلمية تمثل تعافياً استراتيجياً لا تصعيداً.
هذا المسار، الذي أكدته جهات دولية، يفنّد تصوير إيران كطرف متهور يسعى للحرب. إلا أن خطاب ترامب أعاد تعريف التهديد من «خطر وشيك» إلى «قدرة محتملة»، أي من مبدأ الاستباق إلى مبدأ الوقاية، حيث تصبح إعادة الإعمار نفسها مبرراً للهجوم.
III. المأزق الاستراتيجي لإسرائيل
أوقع تدخل ترامب الحكومة الإسرائيلية في مأزق استراتيجي حاد:
-
فقدان الغطاء الدبلوماسي: أي تحرك عسكري لاحق سيُنظر إليه عالمياً كتنفيذ لسياسة مدعومة أمريكياً.
-
تضييق خيارات خفض التصعيد: التراجع أو التأجيل سيُفسَّر كضعف سياسي.
-
تشدد الحسابات الإيرانية: ستتعامل طهران مع التصريحات كسياسة معلنة، ما يقلص هامش ضبط النفس ويزيد احتمالات المواجهة.
IV. الخلاصة
أخطر ما في خطاب مارالاگو هو تطبيع لغة التصعيد. الردع لا يقوم على القوة وحدها، بل على إدراك مشترك بأن الحرب خيار أخير. ومع تآكل الغموض والقنوات الخلفية، يصبح المشهد هشاً وقابلاً للانفجار. نتنياهو بات مكشوفاً لا أقوى، ومسارات الحرب أصبحت أسهل من مسارات تجنبها. ما نشهده ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة خيار سياسي واعٍ استبدل الغموض الاستراتيجي بالتهديد العلني، مفضلاً الاستعراض قصير الأمد على الاستقرار طويل الأمد.




