فنزويلا على أعتاب فراغ في السلطة
أسفرت التطورات التي شهدتها فنزويلا فجر الثالث من يناير عن واحدة من أندر حالات التدخل العسكري الأمريكي المباشر في العقود الأخيرة؛ وهو حدثٌ أفادت به مجلة الإيكونوميست، وشمل ضربات جوية محدودة وعمليات خاصة أدّت إلى خروج نيكولاس مادورو من مشهد السلطة. وعلى الرغم من تضارب الروايات بشأن تفاصيل هذه العملية، فإن ما يبدو مؤكداً هو أن الأزمة السياسية في فنزويلا قد دخلت مرحلة جديدة شديدة الخطورة…

وفقاً للتقارير، نُفِّذت سلسلة من الضربات الموجَّهة ضد البنى التحتية العسكرية والاتصالية في محيط كراكاس والموانئ الرئيسية في البلاد. وفي الوقت نفسه، أظهرت صور متداولة على شبكات التواصل الاجتماعي وجود مروحيات خاصة وعمليات ليلية؛ وهو نمط يُستخدم في الأدبيات العسكرية عادةً بهدف اعتقال أو تصفية أهداف عالية القيمة. وقد وصفت الحكومة الفنزويلية هذا الإجراء بأنه «عدوان عسكري»، ودعت إلى المقاومة الشعبية، إلا أنه لم تُقدَّم حتى الآن معلومات شفافة بشأن وضع رئيس البلاد.
وكانت رويترز وفايننشال تايمز قد شددتا مراراً في تحليلات سابقة على أن واشنطن، خلال الأشهر الأخيرة، قرّبت استراتيجيتها القائمة على «الضغط الأقصى» ضد كراكاس من الخيارات الصلبة، بعد أن كانت تقتصر في الغالب على الأدوات الاقتصادية. وقد عُدّ تشديد الحصار على ناقلات النفط الفنزويلية، والضربات المحدودة على البنى التحتية الساحلية، والتهديد بتوسيع العمليات إلى داخل الأراضي الفنزويلية، مؤشراتٍ على تحوّل في السياسة الأمريكية. ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار التطورات الأخيرة ذروة لمسار بدأ منذ أشهر.
ومع ذلك، يبقى المستقبل السياسي لفنزويلا يلفّه الغموض. فقد طالبت نائبة الرئيس، ديلسي رودريغيز، بتقديم أدلة حول وضع مادورو، وتولّت عملياً مسؤولية إدارة شؤون البلاد. وتشير تجارب مماثلة في المنطقة إلى أن فراغ السلطة، ولا سيما في بلد يعاني من بنية اقتصادية متآكلة ومجتمع منقسم، قد يقود إلى حالة من عدم الاستقرار طويل الأمد؛ وهو سيناريو ستكون كلفته باهظة ليس على الشعب الفنزويلي فحسب، بل على عموم أميركا اللاتينية.
وعلى الصعيد الدولي، تحمل هذه التطورات تداعيات مهمة على أسواق الطاقة. فرغم الانخفاض الحاد في الإنتاج، لا تزال فنزويلا من بين أكبر الدول المالكة لاحتياطيات النفط في العالم، وأي اضطراب سياسي قد يؤثر في توقعات أسواق النفط. وكانت فايننشال تايمز قد حذّرت سابقاً من أن إعادة تسييس الملف الفنزويلي قد تزيد من تقلبات الأسعار في ظل هشاشة سوق الطاقة العالمية.
ومن منظور السياسة الخارجية الإيرانية، تُتابَع تطورات فنزويلا عن كثب. فقد عززت طهران وكراكاس تعاونهما الاقتصادي وطاقوي خلال السنوات الماضية، كما أكدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية باستمرار على مبدأ عدم التدخل الخارجي وضرورة حل الأزمات عبر المسارات السياسية. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى مزيد من عدم الاستقرار في فنزويلا على أنه مضرّ ليس فقط بهذا البلد، بل بالنظام الإقليمي ومصالح الدول المستقلة.
ورغم أن العملية الأمريكية الأخيرة قد تكون غيّرت معادلات القوة في كراكاس على المدى القصير، فإنها على المدى المتوسط زادت من مخاطر دخول فنزويلا مرحلة من عدم الاستقرار المزمن، وهي حالة ستتجاوز تداعياتها حدود هذا البلد.
دنيای اقتصاد




