التدخل في فنزويلا: أبعد من سيناريو تغيير النظام وفي مسار السيطرة والاستباق الطاقوي

أسامة آل جعفر، مراسل «صدای سَما» في شيكاغو، الولايات المتحدة الأمريكية
تم تقديم اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 يناير/كانون الثاني 2026 من قبل إدارة ترامب على أنه ضربة حاسمة ضد نظام اشتراكي فاسد. غير أن التصريحات العلنية التي تلت العملية كشفت هدفاً أكثر وضوحاً وخطورة: الاستيلاء المباشر على الثروة النفطية الفنزويلية. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مؤتمره الصحفي عقب الهجوم أن الخطة تقضي بأن «تدخل شركات النفط الأمريكية، وتستثمر مليارات الدولارات، وتُصلح البنية التحتية المدمَّرة، ثم تبدأ في تحقيق الأرباح للبلاد».
إن التقليل من شأن نشر 20 ألف جندي وحاملات الطائرات واعتباره مجرد «استعراض قوة» يعني تجاهل هذه النية المعلنة. فالعملية ليست خدعة، بل خطوة استباقية على رقعة الشطرنج العالمية للطاقة. كما أن توقيتها—بعد أيام قليلة من زيارة رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو إلى مارالاگو—لافت للغاية، ويشير إلى تنسيق استراتيجي يعتبر أن المواجهة مع إيران ليست مسألة «هل»، بل «متى»، وأن الولايات المتحدة تسعى لتأمين جبهتها الطاقوية مسبقاً.
سيف داموكليس الإيراني: مضيق هرمز
تكمن قوة الردع الأساسية لإيران في جغرافيتها لا في جيشها. فمضيق هرمز، الخاضع لسيطرتها، يُعد أهم ممر لعبور النفط في العالم. يمر عبره يومياً نحو 20 مليون برميل نفط، أي ما يقارب 20% من الإمدادات العالمية وبقيمة تجارية سنوية تقترب من 600 مليار دولار. ولا يقتصر النفط على إيران وحدها، بل يشمل صادرات العراق والكويت والسعودية والإمارات.
وقد هددت إيران مراراً بإغلاق المضيق في حال تعرضها لهجوم، وهو ما سيؤدي إلى صدمة عالمية كارثية. سترتفع أسعار النفط بشكل حاد، وستتضرر كبرى اقتصادات العالم، ولا سيما الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. ورغم أن الجيش الأمريكي قد يتمكن في نهاية المطاف من إعادة فتح المضيق—كما حدث خلال «حرب الناقلات» في ثمانينيات القرن الماضي—إلا أن التعطيل المؤقت وحده كفيل بإشعال ركود عالمي.
فنزويلا: بديل نظري ومأزق عملي
في هذا السياق، تبرز فنزويلا كخيار تأميني محتمل، وإن كان يائساً. فهي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم بنحو 303 مليارات برميل، أي ما بين 17 و20% من الإجمالي العالمي. والمنطق النظري واضح: تأمين مصدر بديل للنفط الثقيل لتعويض أي خسائر محتملة في حال إغلاق الخليج.
غير أن الواقع الميداني مختلف تماماً. إذ لا يتجاوز إنتاج فنزويلا حالياً مليون برميل يومياً، أي أقل من 1% من الإنتاج العالمي وبعيد جداً عن ذروته التاريخية. وقد تدهورت صناعة النفط فيها بشكل كارثي نتيجة عقود من سوء الإدارة والفساد ونقص الاستثمار. ومن أبرز التحديات:
-
حجم الاستثمار المطلوب: تشير التقديرات إلى الحاجة لنحو 58 مليار دولار فقط لإعادة الإنتاج إلى مستويات متوسطة، بينما يتجاوز إحياء القطاع بالكامل 110 مليارات دولار.
-
تردد الشركات النفطية: على عكس تصريحات ترامب، لا تبدي الشركات الأمريكية الكبرى حماساً. فقد اكتفت شيفرون—الشركة الأمريكية الوحيدة العاملة هناك—بالتأكيد على الالتزام بالقوانين. أما إكسون موبيل وكونوكو فيليبس، اللتان صودرت أصولهما سابقاً، فقد التزمتا الصمت أو وصفتا الحديث عن العودة بأنه «سابق لأوانه». وأفاد تقرير لمجلة بوليتيكو بأن الإدارة الأمريكية استفسرت من الشركات الشهر الماضي حول العودة، فقوبل الطلب بـ«رفض قاطع».
-
واقع السوق: يشهد سوق النفط العالمي فائضاً في المعروض وانخفاضاً في الأسعار، ما يقلل شهية الاستثمار الضخم والمحفوف بالمخاطر في مناطق غير مستقرة. وكما قال المحلل لورن ستوكمان: «آخر ما تريده شركات النفط هو فتح احتياطي نفطي هائل فجأة».
صلة نتنياهو ومسار الحرب
هنا تتضح الصلة المقلقة. فلقاء نتنياهو وترامب لم يكن مجرد صورة إعلامية، بل على الأرجح تضمن تنسيقاً استراتيجياً لمواجهة نهائية مع إيران. بالنسبة لإسرائيل، فإن حرباً أمريكية تُضعف إيران بشكل حاسم تمثل هدفاً استراتيجياً قديماً. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن خوض حرب كهذه دون تحييد أكبر ورقة ضغط تمتلكها إيران—مضيق هرمز—أمر غير قابل للتصور.
وعليه، يمكن النظر إلى عملية فنزويلا باعتبارها الخطوة الأولى: محاولة متسرعة وغير مدروسة لتأمين صنبور نفط بديل قبل إغلاق الصنبور الرئيسي. إنها محاولة للإجابة عن السؤال: «كيف نحارب إيران دون انهيار الاقتصاد العالمي؟» لكن الجواب—الاستيلاء على نفط فنزويلا—يتعثر منذ البداية، في مواجهة شكوك الشركات نفسها التي يفترض أن تنفذه.
الخلاصة: استراتيجية مبنية على الرمال
إن التحرك الجريء في فنزويلا يعكس النية أكثر مما يعكس الجاهزية. فهو يكشف عن إدارة تستعد نفسياً واستراتيجياً لصراع أوسع وأكثر خطورة مع إيران. غير أن خطة استخدام فنزويلا كطوق نجاة طاقوي تتهاوى تحت وطأة الواقع الاقتصادي، وتردد الشركات الكبرى، والخلل البنيوي العميق داخل فنزويلا نفسها.
العالم لا يشهد مجرد تغيير نظام، بل يرى ضربة استباقية مرتبكة في طريق حرب قادمة، تُبنى فيها التحصينات الاقتصادية على الرمال، في الوقت الذي تُرسم فيه خرائط الهجوم العسكري. لم يكن نشر القوات هو الخدعة؛ الخدعة الحقيقية هي الاعتقاد بأن نفط فنزويلا يمكن أن يكون حلاً سريعاً للعاصفة التي ستُطلقها حرب مع إيران.




