أخبار إيران

آثار التحولات في فنزويلا على إيران

أعادت التطورات التي شهدتها فنزويلا خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية هذا البلد إلى مركز التوترات الجيوسياسية، وأطلقت موجة من عدم اليقين في الأسواق العالمية والأوساط السياسية. وفي الوقت الذي تراقب فيه إيران ومنافسوها الإقليميون المشهد عن كثب، تفرض الظروف الراهنة إعادة تعريف واقعية للتوازن بين الوضع القائم وترتيب القوى، ولا سيما في ضوء عودة الولايات المتحدة إلى «فناءها الخلفي» التقليدي.

بيتزا منتصف الليل في البنتاغون

أفاد يورونيوز في تقريره أن تهديدات وتصريحات دونالد ترامب ضد طهران، بالتزامن مع سقوط حكومة مادورو في فنزويلا والعمليات العسكرية في نيجيريا، أثارت تساؤلات جديدة حول إحياء القوة العسكرية والنفوذ الأمريكي في النظام العالمي. ومع انتقال العالم من احتفالات رأس السنة إلى أول عطلة أسبوعية من عام 2026، لاحظ بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في الساعات الأولى من صباح السبت زيادة مفاجئة في طلبات البيتزا حول مبنى البنتاغون، وهو ما فُسِّر في الأوساط غير الرسمية على الإنترنت على أنه مؤشر على تحرك أمريكي وشيك في مكان ما من العالم. وبعد ذلك، فاجأت الهجمات الليلية على فنزويلا حتى يوم السبت كثيرين ممن لم يتوقعوا أن يبدأ العام الجديد باعتقال زعيم فنزويلا.

غير أن الحقيقة هي أن الوصول إلى هذه اللحظة لم يكن مفاجئًا؛ فقد أعادت عدة تطورات جيوسياسية مهمة في أواخر العام الماضي تسليط الضوء على السياسة الخارجية للولايات المتحدة وتداعياتها على حلفائها وخصومها، من فنزويلا إلى إيران وسوريا وما بعدها.

حتى في الأيام الأولى من العام الجديد، لم يتخلّ دونالد ترامب عن لغة التهديد والترهيب. وقد جاءت تصريحاته متزامنة مع تطورات رئيسية في أمريكا اللاتينية وأفريقيا: من الهجمات على كراكاس وسقوط مادورو، إلى العمليات العسكرية ضد مواقع جماعة تُعرف بتنظيم الدولة الإسلامية في شمال نيجيريا، والتي قيل إنها نُفذت بطلب من الحكومة النيجيرية. وأشار بعض المحللين إلى أن الدول الثلاث—إيران وفنزويلا ونيجيريا—منتجة للنفط، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة، في ظل حساسية أسواق الطاقة العالمية، تسعى إلى دور أكثر فاعلية في معادلة النفط وحتى التأثير في منظمة أوبك. ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل ما أفادت به رويترز من أن صادرات النفط الفنزويلية توقفت بالكامل عقب الهجوم العسكري الأمريكي.

وأضاف يورونيوز أن سقوط مادورو لا يُعد مجرد تطور داخلي في فنزويلا، بل يحمل أهمية مضاعفة لطهران، نظرًا لأن فنزويلا كانت حليفًا وثيقًا لإيران في السنوات الأخيرة، وشهد البلدان تعاونًا اقتصاديًا ونفطيًا وأمنيًا واسعًا؛ من العلاقات الوثيقة بين طهران وكراكاس في عهد الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد وعلاقاته مع الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز، إلى البرامج الاقتصادية واللوجستية الإيرانية في هذا البلد اللاتيني. وقد استندت هذه الشراكات، التي رافقها في كثير من الحالات استثمارات إيرانية بمليارات الدولارات، إلى التقارب الأيديولوجي والمعارضة المشتركة للولايات المتحدة. أما اليوم، ومع سقوط حكومة مادورو، فإن مصير هذه الاستثمارات والمطالبات المالية الإيرانية المعلقة لا يزال غامضًا، في وقت تواجه فيه إيران نفسها صعوبات اقتصادية ونقصًا في العملات الأجنبية.

العقدة الروسية

وفي جزء آخر من تحليله، أشار يورونيوز إلى أن تجربتي سوريا وفنزويلا—وهما دولتان حظيتا بدعم سياسي وعسكري روسي—طرحتا تساؤلات جديدة حول دور موسكو في معادلات القوة. فقد انهارت حكومتا بشار الأسد ونيكولاس مادورو، رغم دعم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال فترة زمنية قصيرة. ودفع ذلك بعض المحللين إلى الحديث عن احتمال عقد صفقات كبرى بين القوى العالمية، يتم من خلالها تقرير مصير الحلفاء الإقليميين عبر مساومات جيوسياسية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط. ويأتي هذا في وقت يشير فيه خبراء إلى أن إيران أصبحت أكثر اعتمادًا على روسيا في السنوات الأخيرة، ووقّعت معها اتفاق تعاون طويل الأمد. ومع ذلك، فإن هذه الاتفاقات لا تمنح بالضرورة قيمة استراتيجية دائمة للكرملين، وإذا تغيّر ميزان المصالح، فقد تختار موسكو المضيّ في مسار يخدم مصالحها الوطنية أولًا.

وبحسب يورونيوز، فإن دعم بوتين لإيران خلال حرب الأيام الاثني عشر في شهر يونيو اقتصر في معظمه على المستوى السياسي والدبلوماسي، دون ظهور دلائل على دعم عملي أو ردع عسكري فعّال من موسكو، أو على الأقل لم يُبلّغ عنه إعلاميًا. وكما في الحالة الفنزويلية، فضّلت روسيا—رغم علاقاتها الاستراتيجية المعلنة مع طهران—تجنّب تصعيد التوتر مع إسرائيل والولايات المتحدة، وحصرت دورها في مواقف عامة تدين الهجمات وتدعو إلى ضبط النفس؛ وهو ما رأى فيه كثيرون في إيران تأكيدًا جديدًا على براغماتية الكرملين وتقديمه لمصالحه الخاصة.

رسائل متناقضة للشرق الأوسط

تناول المجلس الأطلسي في مذكرة مؤرخة في الرابع من ديسمبر الأبعاد الدولية للهجوم الأمريكي على فنزويلا، مشيرًا إلى الأهمية الكبيرة للبعد الدبلوماسي للعملية. ففي فنزويلا، ترافقت العملية العسكرية الأمريكية مع عروض دبلوماسية مستمرة—من تخفيف العقوبات وخطوات تطبيع العلاقات وعناصر من اتفاقات مقترحة—بقيت مطروحة قبل وأثناء استخدام القوة. وتشير هذه الإشارات المركبة إلى طهران إلى أن الاعتماد على منظومات الدفاع الجوي الروسية أو بطء وتيرة المقترحات الأمريكية لا يغير بالضرورة سرعة أو هيكل التحرك الأمريكي.

وأضاف المجلس أن الضربات الأمريكية الأخيرة في نيجيريا ترسل إشارة معزِّزة؛ إذ تحركت الولايات المتحدة هناك دون إنذارات مطولة أو تصعيد تدريجي، مستخدمة ضربات جوية بعيدة المدى بدعم من الحكومة النيجيرية. وتعكس هذه العمليات تراجع صبر البيت الأبيض تجاه ديناميات التصعيد الطويلة، وتفضيله لاستخدام قوة قصيرة الأمد وموجّهة نحو النتائج. وبالنسبة لإيران، تكمن أهمية الأمر لا في الأهداف أو الساحات بعينها، بل في استعداد الولايات المتحدة الحالي للتحرك الحاسم بعد تجاوز الخطوط الحمراء.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن عملية ترامب لإزاحة مادورو ستُحدث موجات صدمة عالمية، بما في ذلك في الشرق الأوسط. فقد أرسلت عملية يوم السبت رسائل متناقضة بشأن مستقبل المنطقة. غير أن التخطيط لعملية فنزويلا استغرق أشهرًا، ولا توجد مؤشرات على امتلاك الولايات المتحدة القدرة أو النية لتنفيذ خطوة مماثلة في إيران. وعلى إدارة ترامب أن تدرك مخاطر الخطاب الغامض الذي لا يمكن متابعته بأفعال.

تداعيات ملموسة على استراتيجية العقوبات

تطرّق موقع المونيتور بدوره إلى أحداث الساعات الثماني والأربعين الماضية في أمريكا اللاتينية. وبحسب التقرير، لطالما تفاخرَت إيران بنفوذها في المنطقة، معتبرة أن الحكومات اليسارية المتقاربة فكريًا يمكن أن تشكل قاعدة لمواجهة الهيمنة الأمريكية العالمية. وكانت فنزويلا محور هذه الاستراتيجية؛ دولة متوافقة سياسيًا مع طهران، ومتشابكة اقتصاديًا معها، ومشتركة معها في الخطاب المعادي للولايات المتحدة.

لكن، وبعيدًا عن الرمزية، فإن انهيار حكومة مادورو يحمل تداعيات ملموسة على البنية التحتية الإيرانية للالتفاف على العقوبات. فقد اعتمدت طهران لفترة طويلة على كراكاس كنقطة ارتكاز رئيسية لتجاوز القيود الأمريكية. ولم يوفّر قطاع الطاقة الخاضع لسيطرة الدولة في فنزويلا منفذًا آمنًا لصادرات النفط الخام والمنتجات المكررة الخاضعة للعقوبات فحسب، بل وفّر أيضًا غطاءً لوجستيًا ضمن ولاية قضائية متساهلة ومنفصلة أصلًا عن الأسواق الغربية. وأضاف المونيتور أنه مع إزاحة مادورو وغرق فنزويلا في حالة من عدم اليقين، انهار هذا المسار فعليًا. وقد يكون فقدان شريك موثوق للالتفاف على العقوبات في هذه المرحلة بالغ الأهمية بالنسبة لإيران.

وتشير التقارير والتحليلات المتاحة إلى أن تطورات فنزويلا تحمل رسائل متعددة لإيران، وقد تعيد تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط بصورة حاسمة. ومع ذلك، تفيد هذه التقارير بأن احتمال تكرار سيناريو مماثل في إيران من جانب ترامب لا يزال ضعيفًا، وأنه ينبغي انتظار ما ستسفر عنه تداعيات إزاحة نيكولاس مادورو خلال الأسابيع المقبلة. /دنیای اقتصاد

مقالات ذات صلة