هل هو حلم عودة الذهب الأسود أم سراب جيوسياسي؟ رهان ترامب النفطي في فنزويلا

إنّ الاعتقال المفاجئ لنيكولاس مادورو من قبل الولايات المتحدة يتجاوز كونه تطورًا أمنيًا أو سياسيًا بحتًا، ليشكّل جزءًا من مشروع أوسع في مجالي الطاقة والجيوسياسة؛ وهو مشروع وصفه دونالد ترامب صراحةً بأنه «استعادة نفط فنزويلا».
ومن منظور البيت الأبيض، فإنّ دولة تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم لا ينبغي أن ترضى بإنتاج يقل عن مليون برميل يوميًا، ولا سيما أنّ النفط الثقيل الفنزويلي يُعدّ بالضبط النوع الذي تحتاجه المصافي الأمريكية.
غير أنّ مجلة الإيكونوميست تؤكد أن الفجوة بين امتلاك احتياطيات نفطية هائلة وبين تحقيق إنتاج اقتصادي فعلي هي فجوة تقنية ومؤسسية ومالية؛ فجوة لا يمكن ردمها بتغيير سياسي مفاجئ. فقد كانت صناعة النفط الفنزويلية، على مدى أكثر من عقد، ضحية مزيج من العقوبات الخارجية، وسياسات التأميم المكلفة، وسوء الإدارة المزمن، وهجرة واسعة للكفاءات البشرية. وكانت النتيجة انهيار الإنتاج بنحو الثلثين مقارنة بأواخر العقد الأول من الألفية، إلى جانب تدهور حاد في البنية التحتية.
وعلى المدى القصير، يبدو حتى أفق الزيادة المحدودة في الإنتاج قاتمًا. فقد أدّت العقوبات المفروضة على ناقلات النفط، ومصادرة الشحنات، وقطع وصول فنزويلا إلى النافثا—وهي مادة مخفِّفة حيوية لنقل النفط فائق الثقل—إلى تعطيل الصادرات عمليًا. وتشير التقديرات إلى أنه في حال استمرار هذه الأوضاع، قد ينخفض الإنتاج إلى أقل من 700 ألف برميل يوميًا، وهو رقم بعيد كل البعد عن ادعاءات واشنطن بشأن «إحياء سريع» للإنتاج.
وحتى في سيناريو أكثر تفاؤلًا، ومع افتراض انتقال سياسي سلس ورفع العقوبات، فإن أي زيادة ملموسة في الإنتاج ستتطلب استثمارات ضخمة. إذ تقدّر شركة ريستاد إنرجي أن إعادة إنتاج فنزويلا إلى مستوياته قبل 15 عامًا تستلزم أكثر من 110 مليارات دولار من الاستثمارات في قطاع المنبع؛ وهو مبلغ يقارب ضعف إجمالي الاستثمارات العالمية لكبرى شركات النفط الأمريكية في عام 2024. ويأتي ذلك في ظل استمرار ذكريات التأميمات والنزاعات القانونية التي بلغت قيمتها عشرات المليارات من الدولارات، والتي لا تزال تلقي بظلال ثقيلة على قرارات الشركات النفطية الدولية.
ويُعدّ الهيكل المؤسسي لصناعة النفط الفنزويلية عائقًا آخر. فشركة PDVSA، التي كانت يومًا ما من بين أكثر شركات النفط الوطنية احترافًا في العالم، فقدت عشرات الآلاف من المهندسين والمتخصصين، بينما أُسندت إدارتها بشكل متزايد إلى قيادات عسكرية. وفي وضعها الحالي، تفتقر الشركة إلى القدرة على أن تكون شريكًا موثوقًا للشركات الغربية. إن إصلاح هذا الهيكل عملية مكلفة وطويلة الأمد، ولا تنسجم مع قرارات سياسية قصيرة المدى.
كما أنّ سوق النفط العالمية لا تبدو مرحّبة بهذه المقامرة. فقد حذّرت وكالة الطاقة الدولية من فائض في المعروض النفطي حتى نهاية العقد الحالي؛ وهو فائض قد يدفع الأسعار إلى حدود 50 دولارًا للبرميل أو أقل. وفي مثل هذه الظروف، قد تفقد العديد من الحقول النفطية الفنزويلية جدواها الاقتصادية.
قد تكون مقامرة ترامب النفطية في فنزويلا مثيرة سياسيًا ورمزية من حيث الشكل، لكنها من الناحية الاقتصادية تمثل مشروعًا طويل الأمد ومرهقًا. إن عودة فنزويلا إلى مصاف كبار منتجي النفط لن تتحقق عبر عمليات ليلية مفاجئة، بل من خلال سنوات من الإصلاح المؤسسي، والاستثمارات الثقيلة، وتغيّر ظروف السوق العالمية. وإذا كان هناك ربح محتمل، فلن يكون فوريًا ولا مضمونًا.
— دنياي اقتصاد




