الذكاء الحسي في أداء قادة الشرطة
غالبًا ما ينخرط قادة الشرطة الكبار في مهمة مساءلة زملائهم. وفي السنوات الأخيرة، وبدرجة كبيرة نتيجة لشهرة نظام «كومبستات» الذي تم تطويره داخل جهاز الشرطة، حظيت المساءلة عن تنفيذ التوجيهات باهتمام متزايد.

الدكتور غلامحسين بياباني؛ أمين جمعية تنمية دراسات العلوم والابتكار التحقيقي في إيران
تعتمد عملية «كومبستات» (CompStat) على أربعة مبادئ:
(1) معلومات دقيقة ومحدَّثة؛
(2) تكتيكات فعّالة؛
(3) التطوير السريع للأفراد والموارد؛
(4) المتابعة والتقييم المستمرَّين.
في عملية كومبستات، يمثل قادة كل قسم بانتظام أمام أقرانهم من نفس المستوى الوظيفي، ويُتوقَّع منهم أن يكونوا على دراية بالمشكلات القائمة وبالحلول المتاحة التي يتم توظيفها لمعالجة تلك المشكلات. القائد الذي لا يمتلك الوعي أو الجاهزية الكافية، وفي حال تكرار ذلك، سيكون عليه البحث عن مهمة أخرى لنفسه.
وعلى الرغم من أن نظام كومبستات قد يبدو صارمًا، وعلى الرغم من أنه قد يرتبط في بعض الحالات بـ«الأرقام» أكثر من ارتباطه بالظروف الحقيقية للمجتمع، فإنه يعالج مشكلة حقيقية في إدارة الشرطة. وربما تكمن أكبر إمكانات هذا النظام في تحويل التركيز في المساءلة من مجرد إدارة الشؤون الداخلية (كالميزانية والموارد البشرية وغيرها) إلى القضايا التي تُعدّ ذات أهمية حقيقية، أي المشكلات الأساسية للمجتمع. إن أي عملية يمكنها بنجاح تحويل مسار اهتمام ومساءلة إدارة الشرطة من الاعتبارات الداخلية نحو مشكلات المجتمع، من المرجّح أن تكون عملية مفيدة.
وبناءً على ذلك، يشير دانيال جولمان إلى أنه، رغم أهمية المهارات الفنية التي يجب أن يمتلكها مدير وحدة شرطية لتحقيق النجاح في مهامه، فإن امتلاك مستوى عالٍ من الذكاء العاطفي يُعد من الخصائص الأساسية للقيادة. ويُعدّ الذكاء العاطفي (EQ) سمةً ضرورية للقيادة عالية الجودة.
يرى أن القادة الأكثر تأثيرًا يتمتعون بمستويات عالية من الذكاء العاطفي. وفي دراسة ذات صلة، توصل ديفيد مكليلاند إلى وجود علاقة ارتباط بين الذكاء العاطفي (EQ) والأداء العالي. وبعبارة أخرى، فإن القادة الذين يمتلكون درجات مرتفعة من الذكاء العاطفي يحققون أداءً أفضل من القادة الآخرين في مواقف مماثلة. ويتكوّن الذكاء العاطفي من خمسة عناصر، تتجلى ذروتها في مفهوم «الوعي بالذات».
وتشمل هذه العناصر المكوِّنة للذكاء العاطفي: الوعي بالذات، والتنظيم الذاتي، والدافعية، والتعاطف، والمهارة الاجتماعية. ويُقصد بالوعي بالذات إدراك عميق لمشاعر الفرد ونقاط قوته وضعفه واحتياجاته ودوافعه، إلى جانب فهم كيفية تأثير هذه العوامل في إدراكه لذاته، وإدراك الآخرين له، وأدائه الوظيفي. أما التنظيم الذاتي فيتمثل في التحكم في المشاعر والاندفاعات. وتشير الدافعية إلى الرغبة في تحقيق الرضا من خلال الإنجاز، وترتبط ببعض المكافآت الداخلية. ويُعد التعاطف، الذي غالبًا ما يسهل التعرف عليه، مراعاة مشاعر الآخرين في عملية اتخاذ القرار. وأخيرًا، تُعرَّف المهارة الاجتماعية بأنها «الودّ الهادف»، الذي يمكّن القادة من توجيه الناس بالطرق التي يرغبون بها.
هل يمكن تعليم الذكاء العاطفي؟ يبيّن جولمان أن الذكاء العاطفي، على الرغم من تأثره بعامل وراثي، فإن تنميته تلعب دورًا أساسيًا. كما يشير إلى أن الذكاء العاطفي يزداد مع التقدم في العمر والنضج. ويوضح أن الأساليب التقليدية لتنمية سمات مثل الذكاء العاطفي وحدها ليست كافية، بل إن الرغبة الصادقة للفرد والجهود الجماعية تُعد أكثر أهمية. وعلى الرغم من أن الذكاء العاطفي لم يُعترف به حتى اليوم كعنصر أساسي في قيادة الشرطة، فإن دراسة هذا المفهوم تُعد ذات قيمة للمديرين، ليس فقط من أجل التطوير الفردي، بل أيضًا لتعزيز مهارات القيادة لدى العاملين.
وفي دراسته اللاحقة المعنونة «القيادة الأولية»، يصف جولمان ما يسميه «القائد الرنّان». والقائد الرنّان هو الشخص الذي لا يمتلك الوعي بالذات والوعي الاجتماعي فحسب، بل يستطيع أيضًا توظيف هذه الخصائص في تعامله مع الموظفين الآخرين. ويُعد التعاطف، الناتج عن الوعي بالذات والوعي الاجتماعي، ذا أهمية كبيرة للقائد في تعامله مع العاملين.
ومن خلال امتلاك التعاطف، يستطيع القادة تحفيز الأفراد وإيجاد الحماس تجاه عمل المنظمة. ووفقًا لأبحاث جولمان وزملائه، فإن القادة الذين يُظهرون التعاطف يمكن أن يكونوا فعّالين للغاية في المهن الخدمية أو في الوظائف التي تتطلب تفاعلًا واسعًا مع الناس، مثل العمل الشرطي.

