فصل جديد في السياسة اليابانية

يُعدّ الفوز الكاسح الذي حققه الحزب الليبرالي الديمقراطي الياباني في الانتخابات المبكرة لمجلس النواب نقطة تحوّل في المشهد السياسي الياباني؛ إذ لم يقتصر هذا الاستحقاق على تثبيت موقع رئيسة الوزراء، سانائيه تاكاييتشي، بل أعاد الحزب إلى هيمنة سياسية شبه مطلقة.
إن حصول الحزب على أغلبية الثلثين في مجلس النواب، من دون اعتماد حاسم على شريك ائتلافي، يمنح تاكاييتشي صلاحيات لم يحظَ بها سوى عدد محدود من رؤساء الوزراء اليابانيين خلال العقود الأخيرة.
ويعكس هذا الفوز، أكثر مما يعكس شعبية الحزب، «الرصيد السياسي الشخصي» لرئيسة الوزراء. فتاكاييتشي، بصفتها أول امرأة تتولى هذا المنصب، نجحت في تقديم صورة جديدة للقيادة السياسية، مدعومة بأسلوب بسيط، وخلفية من الطبقة المتوسطة، وحضور فاعل في المجالين العام والرقمي. في المقابل، فشلت المعارضة الوسطية، التي تشكّلت من تحالف متسرّع وغير متجانس، في إيصال رسالة موحّدة للناخبين، ما أدى عملياً إلى انسحابها من المنافسة.
من الناحية البنيوية، تمثل هذه الانتخابات نهاية مرحلة من عدم الاستقرار السياسي بالنسبة للحزب الحاكم. فالحزب الليبرالي الديمقراطي، الذي كان قد تضرر في السنوات الأخيرة من فضائح متتالية وفقدان للأغلبيات البرلمانية، وجد نفسه في موقع حكومي هش، لكنه اليوم يستعيد موقعه المهيمن.
ولا يعود هذا التحول فقط إلى ضعف الخصوم، بل يعكس أيضاً ميلاً لدى المجتمع الياباني نحو الاستقرار في ظل مرحلة دولية مضطربة، حيث تلقي المخاوف الأمنية والجيوسياسية بظلالها المتزايدة على سلوك الناخبين.
ومن منظور مجلة الإيكونوميست، فإن هذا الانتصار قد يؤثر في السياسة اليابانية لسنوات طويلة مقبلة؛ فبفضل الأغلبية الساحقة في مجلس النواب، تستطيع الحكومة تجاوز مقاومة مجلس الشيوخ ووضع العملية التشريعية عملياً تحت سيطرتها. ويؤدي هذا الوضع إلى توسيع هامش المناورة أمام تاكاييتشي بشكل ملحوظ، مع تهميش المنافسات داخل الحزب.
على الصعيد الاقتصادي، وعدت رئيسة الوزراء باتباع «سياسة مالية نشطة ولكن مسؤولة». وتُعد التخفيضات المؤقتة في ضريبة الاستهلاك على المواد الغذائية وزيادة الاستثمارات الصناعية جذابة للناخبين على المدى القصير، وقد تسهم في تحفيز الطلب. غير أن هذه المقاربة تبعث برسائل متناقضة إلى سوق السندات، وتزيد من المخاوف بشأن تصاعد الدين العام، وهي هواجس قد تثير قلق المستثمرين.
أما في المجال الأمني، فقد أكدت تاكاييتشي بوضوح على تعزيز القدرات الدفاعية، بدءاً من تسهيل صادرات الأسلحة وصولاً إلى إنشاء مؤسسات استخباراتية جديدة. ويتماشى هذا التوجه مع التحولات في البيئة الأمنية لشرق آسيا، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تصعيد التوترات مع الصين. ومن ثم، فإن ترسيخ السلطة في الداخل لا يعني بالضرورة تيسير المسار الخارجي لليابان.
إن الانتخابات اليابانية الأخيرة ليست مجرد فوز انتخابي، بل تمثل بداية فصل جديد؛ فصل تتسم فيه السلطة السياسية بمزيد من التركّز، فيما تبرز في المقابل المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية بصورة أوضح من أي وقت مضى.
— دنياي اقتصاد




