مقالات الرأي

أهمية وتأثير العقود التجارية في إدارة المخاطر الدولية

✍️ سعید ره‌انجام، طالب دکتوراه فی القانون ومدرّس جامعي

 

في عالم اليوم المعولم، دخلت الشركات والمؤسسات الاقتصادية في تفاعلات عابرة للحدود على نطاق واسع. ورغم ما تتيحه هذه التفاعلات من فرص غير مسبوقة، فإنها تنطوي أيضاً على مخاطر متعددة، منها المخاطر السياسية، ومخاطر سعر الصرف، والمخاطر القانونية، والثقافية، والتشغيلية. ومن بين الأدوات الرئيسية لإدارة هذه المخاطر العقود التجارية الدولية، التي لا توفر إطاراً قانونياً للتعاون الاقتصادي فحسب، بل تؤدي أيضاً دوراً محورياً في التنبؤ بالمخاطر وتقاسمها والحد منها.

تُعدّ العقود التجارية الدولية جوهر التفاعلات الاقتصادية العابرة للحدود. فهي، بوصفها أدوات قانونية، تهيئ بيئة مناسبة لتبادل السلع والخدمات والتكنولوجيا والاستثمارات وغيرها من الأنشطة الاقتصادية بين الدول. وبوجه عام، يُعدّ كل اتفاق ملزم بين طرفين أو أكثر من دول ذات أنظمة قانونية مختلفة، ويهدف إلى تنفيذ عمليات تجارية أو اقتصادية، من قبيل العقود التجارية الدولية (Schwenzer, 2016).

أنواع المخاطر الدولية

إن العمل في البيئة الدولية يوفر فرصاً للنمو والتنمية الاقتصادية، لكنه في الوقت نفسه يعرّض الشركات لأنواع متعددة من المخاطر التي قد تؤثر في الربحية والاستدامة وحتى بقاء الأعمال. ويُعدّ تحديد هذه المخاطر وتحليلها الخطوة الأولى في تصميم استراتيجيات إدارة المخاطر، بما في ذلك صياغة العقود التجارية الدولية (Jüttner et al., 2003).

المخاطر السياسية

تنشأ المخاطر السياسية عن تدخلات الحكومات أو التغيرات غير المتوقعة في السياسات الداخلية أو الخارجية، مما قد يؤثر في العقود والعمليات التجارية.

مخاطر سعر الصرف

تشير مخاطر سعر الصرف إلى الأخطار الناتجة عن تقلبات أسعار العملات، والتي قد تؤثر في ربحية العقود الدولية. فعلى سبيل المثال، إذا أبرمت شركة عقداً باليورو، وانخفضت قيمة الدولار الأمريكي (عملتها الوطنية) مقابل اليورو، فقد تتعرض لخسائر (Eiteman et al., 2019).

المخاطر القانونية والقضائية

إن اختلاف الأنظمة القانونية بين الدول يُعدّ من أبرز التحديات في العقود الدولية، وقد يظهر ذلك في مجالات مثل تحديد المسؤوليات، وطرق تسوية النزاعات، وحقوق الملكية الفكرية، وصحة الالتزامات التعاقدية (Bridge, 2017).

المخاطر الثقافية والتواصلية

قد تؤدي الاختلافات الثقافية واللغوية والسلوكية بين أطراف العقد إلى سوء فهم أو تفسيرات متباينة لبنود العقد، مما يفضي إلى نزاعات. ويؤكد Hofstede (2010) أن القيم الثقافية تؤثر بعمق في أساليب التفاوض واتخاذ القرار وإدارة المخاطر. فعلى سبيل المثال، في الثقافات عالية السياق مثل اليابان أو المملكة العربية السعودية، تحظى الثقة والعلاقات الشخصية بأهمية كبيرة، بينما في الثقافات منخفضة السياق مثل ألمانيا أو الولايات المتحدة، يكون التركيز على العقد المكتوب والواضح.

المخاطر التجارية والائتمانية

يشير هذا النوع من المخاطر إلى احتمال عجز أو امتناع أحد أطراف العقد عن الوفاء بالتزاماته المالية. وقد تنشأ هذه المخاطر عن مشكلات في السيولة، أو الإفلاس، أو الاحتيال التجاري. ويمكن أن يسهم استخدام أدوات مثل الاعتماد المستندي والتأمين الائتماني في الحد من هذا النوع من المخاطر (Delhaise, 1998).

المخاطر التشغيلية واللوجستية

تشمل هذه المخاطر الاضطرابات في سلسلة التوريد، والتأخير في النقل، والمشكلات الجمركية، أو عدم التنسيق في عمليات الإنتاج والتوزيع. وفي العقود الدولية، تلعب عوامل مثل البعد الجغرافي، وتنوع القوانين الجمركية، والقيود المتعلقة بالبنية التحتية دوراً مهماً في زيادة هذه المخاطر (Christopher, 2016).

التحديات والقيود

اختلاف الأنظمة القانونية والثقافية

في التجارة الدولية، قد يكون أطراف العقد من دول ذات أنظمة قانونية مختلفة (القانون العام، القانون المدني، وغيرها) أو من ثقافات تجارية متباينة. وقد تؤدي هذه الاختلافات إلى تفسيرات مختلفة لبنود العقد، وتعارض في التوقعات، وصعوبات في تنفيذ بعض الشروط (Zhao, 2018).

ارتفاع تكاليف التحكيم وتسوية المنازعات

على الرغم من أن التحكيم الدولي يُعد وسيلة فعالة لحل النزاعات في العقود، إلا أن إجراءاته قد تكون مكلفة وطويلة ومعقدة. فأتعاب المحكمين، ورسوم المؤسسات (مثل ICC أو LCIA)، وأتعاب المحامين الدوليين قد تشكل عبئاً مالياً كبيراً على الشركات الصغيرة والمتوسطة (Born, 2021).

عدم تنفيذ الأحكام في بعض الدول

رغم أن «اتفاقية نيويورك لعام 1958» تضمن تنفيذ أحكام التحكيم الدولية في أكثر من 160 دولة، إلا أن بعض الدول تمتنع عملياً عن تنفيذ هذه الأحكام أو تؤخر تنفيذها. ويظهر ذلك بشكل أوضح في الدول ذات الأنظمة القضائية الضعيفة، أو التي تعاني من الفساد الإداري، أو من اعتبارات سياسية (UNCTAD, 2020).

المخاطر غير المتوقعة وتغير الظروف الجوهرية

مهما بلغت دقة العقود، فإنها لا تستطيع التنبؤ بجميع الظروف المستقبلية. فقد تؤدي أزمات مثل الحروب، أو الجوائح، أو الانهيارات الاقتصادية، أو العقوبات المفاجئة إلى جعل العقد غير فعال أو غير قابل للتنفيذ. وحتى بنود القوة القاهرة قد لا توفر تغطية كاملة أو قد تكون صياغتها غامضة (Schwenzer, 2016).

الخلاصة

لا تُعدّ العقود التجارية الدولية مجرد أداة لتنظيم التعاون الاقتصادي، بل تؤدي دوراً حيوياً في إدارة المخاطر العالمية المعقدة. ومن خلال الصياغة الدقيقة للالتزامات، والتوزيع المناسب للمخاطر، وتضمين آليات فعالة لتسوية النزاعات، يمكن الحد بدرجة كبيرة من الخسائر المحتملة. وفي عالم التجارة الدولية المليء بالتحديات، يُعدّ إبرام عقود احترافية تستند إلى المعايير الدولية ضرورة لا غنى عنها للفاعلين الاقتصاديين.

مقالات ذات صلة