أخبار العالم

الخلفيات وراء الانسحاب المشروط للولايات المتحدة من قاعدتين عسكريتين في سوريا

في الوقت الذي كان فيه خفض الوجود العسكري الأمريكي في سوريا خلال الأشهر الماضية أحد الملفات الرئيسية في وسائل الإعلام الإقليمية والدولية، بدأت الولايات المتحدة منذ عدة أيام بتنفيذ خطواتها في هذا الإطار. بعد انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة التنف في مثلث الحدود بين سوريا والعراق والأردن خلال الأيام الثلاثة الماضية، أعلنت وزارة دفاع حكومة أبومحمد الجولاني اليوم الأحد أن قواتها استلمت القاعدة العسكرية “الشّدادي” في ريف “الحسكة” بعد التنسيق مع الجانب الأمريكي.

أفادت التقارير بأن القوات الأمريكية نقلت معداتها من قاعدة الشدادي باتجاه أربيل (إقليم كردستان العراق) وأخلت القاعدة.

وأفاد ما يسمى “المرصد السوري لحقوق الإنسان” بأن الأمريكيين أحرقوا بعض المقرات والمعدات بعد انسحابهم من أجزاء من القاعدة، مشيراً إلى رؤية أعمدة الدخان في مواقع متعددة من الشدادي بالتزامن مع تحركات ونقلات عسكرية حول القاعدة.

مع ذلك، لا تزال قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة متواجدة في مواقع أخرى في شمال شرق سوريا، مثل قاعدة خراب الجير في منطقة رميلان وموقع في القصر الكبير، مما يثير المزيد من الغموض حول مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في شمال شرق سوريا.

حول سؤال ما إذا كان انسحاب القوات الأمريكية من القاعدتين وتسليمها لحكومة الجولاني يعني نهاية الوجود الأمريكي الكامل أو تقليص دوره العسكري في سوريا، يرى المحللون أن هذه الخطوة في المقام الأول تهدف إلى تقليل التكاليف العسكرية، حيث تحاول واشنطن السيطرة على سوريا عبر قواتها الوكيلة، خاصة أن حكومة الجولاني تابعة تمامًا للولايات المتحدة.

كما أن باقي قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن لا تزال متواجدة في المناطق التي انسحبت منها القوات الأمريكية، حيث إن واشنطن سلمت بعض المناطق لحكومة الجولاني ضمن اتفاقيات حديثة، مع الحفاظ على مصالحها الأمنية والجيوسياسية.

على سبيل المثال، كانت قاعدة التنف في منطقة صحراوية واسعة تتطلب تكاليف لوجستية عالية، إلا أن الولايات المتحدة حافظت عليها بسبب موقعها الاستراتيجي. على الرغم من الادعاءات بأن قاعدة التنف كانت مركز العمليات ضد تنظيم داعش، إلا أن قيادات داعش كانت تتدرب في القاعدة نفسها، حيث نقلتهم واشنطن من مراكز الاحتجاز التابعة لقوات سوريا الديمقراطية في دير الزور والحسكة.

في الواقع، كانت قاعدة التنف مركز التخطيط لمعظم العمليات التي نفذها التحالف ضد الجيش العربي السوري وحلفائه في دير الزور وصحراء سوريا خلال فترة حكم بشار الأسد، وكانت تتعرض لهجمات متعددة بالطائرات المسيرة والصواريخ من قبل حلفاء الحكومة السورية السابقة.

ومع صعود حكومة أبومحمد الجولاني التابعة للولايات المتحدة، لم تعد واشنطن ترى ضرورة لدفع تكاليف باهظة للحفاظ على وجودها في قاعدة التنف، خاصة مع تراجع نفوذ روسيا في المناطق المحيطة بالقاعدة وتركيزها على الساحل السوري في قواعد طرطوس وجبلة واللاذقية.

الخلفيات وراء الانسحاب المشروط للقوات الأمريكية من قواعد سوريا

بالإضافة إلى ذلك، سمحت حكومة الجولاني للأمريكيين بالسيطرة على القواعد القريبة من دمشق، ولم ينكر نظام الجولاني التقارير المتعلقة بنية الأمريكيين استخدام القواعد العسكرية المجاورة للعاصمة.

كما أن نص البيان الأمريكي الذي صدر بعد 24 ساعة من إتمام الانسحاب من قاعدة التنف غامض، ولا يتضح ما إذا كان الانسحاب أمريكيًا دائمًا أم مجرد إجراء مؤقت. وجاء في البيان القصير أن القيادة المركزية الأمريكية أكملت في 11 فبراير، كجزء من “انتقال واعٍ ومشروط”، الانسحاب المنظم للقوات من قاعدة التنف في سوريا. ويطرح مصطلح “انتقال واعٍ ومشروط” العديد من التساؤلات حول طبيعة خروج الولايات المتحدة من القاعدة.

كما ذُكر، بعد الانسحاب من قاعدة الشدادي، نقلت القوات الأمريكية معداتها إلى إقليم كردستان العراق، وهذا يعني أن الانسحاب من المنطقة أساسًا غير قائم، وما تقوم به الولايات المتحدة هو مجرد إعادة تموضع وفق أولوياتها ومصالحها.

يرى المراقبون أن خطوة الولايات المتحدة في الانسحاب من قاعدتي التنف والشدادي لا تعني تقليل الوجود والنفوذ العسكري أو تغيير الموقع في سوريا، بل إن واشنطن تقوم فقط بإعادة تموضع قواعدها وقواتها دون إزالتها.

تشير الأدلة إلى أن الولايات المتحدة تركز على القواعد الأكثر حيوية في سوريا، خصوصًا القواعد حول دمشق، ومع تغير الواقع الميداني ووصول حكومة مطيعة تمامًا لواشنطن، لم تعد الولايات المتحدة ترى حاجة للحضور المباشر في المناطق عالية المخاطر والتكلفة.

من ناحية أخرى، كما يؤكد الأمريكيون أنفسهم، فإن هذا انسحاب مشروط، وبالتالي يعكس تغييرًا في طبيعة النهج الأمريكي تجاه سوريا. فواشنطن التي اعتمدت لسنوات على استراتيجية العقوبات الاقتصادية المشددة والتموضع العسكري الواسع في سوريا، يبدو أنها الآن تميل أكثر إلى تعديل مواقعها خارج حدود سوريا، سواء في الأردن أو العراق، مع الحفاظ على القدرة على التدخل عند الضرورة.

هذا يعني أن انسحاب الأمريكيين من بعض القواعد السورية أقرب إلى تعديل تكتيكي منه إلى انسحاب نهائي يغلق فصل نفوذ الولايات المتحدة في سوريا. كما أن الأمريكيين يؤكدون على التنسيق المباشر مع حكومة الجولاني في تسليم القواعد وفق الأولويات المشتركة، مما يثير تساؤلات حول مدى استقلالية نظام الجولاني وقدرته على تحويل التعاون الإقليمي إلى إنجاز وطني وسيادي.

الحديث عن “انسحاب مشروط” يشير إلى أن واشنطن تترك الباب مفتوحًا للعودة إلى هذه القواعد في حال ظهور تهديدات تؤثر على مصالحها، ما يعني أن الانسحاب لا يمثل خروجًا كاملًا ونهائيًا، بل إعادة رسم مسافة آمنة بين الحضور المباشر والنفوذ غير المباشر.

إدارة الوجود العسكري بدلاً من إنهاء الاحتلال

أوضح إلياس المر، خبير الشؤون العسكرية الإقليمي، أن تسليم قاعدتي التنف والشدادي لحكومة الجولاني لا يعني نهاية الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، بل إعادة توزيع القوات الأمريكية وبقية قوات التحالف ضمن استراتيجية معدلة.

وأضاف: لا يمكن اعتبار خروج القوات الأمريكية من القواعد السورية انسحابًا كاملًا للولايات المتحدة، بل هو إعادة تموضع مخططة تعكس تغيير النهج في إدارة الحضور الأمريكي وليس إنهاءه.

وأشار الخبير العربي إلى أن الوجود الفعلي للولايات المتحدة يظل مركزًا في شرق وشمال شرق سوريا، من خلال قواعد صغيرة ونقاط دعم وتنسيق، خصوصًا في منطقة الحسكة وشرق الفرات، إلى جانب حضور استخباراتي غير معلن في المناطق الحساسة، بما في ذلك مدينة القامشلي.

مقالات ذات صلة