أخبار إيران

الاقتصاد في ظل ثورة التخسيس

في السنوات الأخيرة، حدث أحد أهم التحولات العلمية ليس في المجال الرقمي، بل في المجال الطبي. صحيفة فايننشال تايمز أكدت في افتتاحيتها أن للأدوية الحديثة لإنقاص الوزن آثارًا اقتصادية مهمة، مشيرة إلى أن ضبط الشهية يمكن أن يتجاوز أثره على الصحة الفردية ويؤثر حتى على أسس الاقتصاد الاستهلاكي.

تعمل هذه الأدوية عبر التأثير على آلية المكافأة في الدماغ، فتقلل الرغبة في استهلاك الأطعمة عالية السعرات والمعالجة. وتشير بيانات السوق إلى أن المستهلكين الذين يستخدمون هذه التركيبات يشترون كميات أقل من الطعام، وتتغير أيضًا تفضيلاتهم الاستهلاكية.

انخفاض الطلب على المنتجات السكرية والوجبات الخفيفة عالية الطاقة أدى إلى تراجع الأسعار بشكل ملحوظ في بعض الأسواق، وعانى المنتجون من انخفاض المبيعات. في المقابل، ارتفع الطلب على الأغذية الغنية بالبروتين وكذلك الملابس، حيث يتبع العديد من الأشخاص أسلوب حياة جديدًا بعد فقدان الوزن. حتى بعض الصناعات الخدمية أبلغت عن آثار غير مباشرة لهذه التغييرات.

من منظور النظرية الاقتصادية، يمكن اعتبار هذا التحول مثالاً على إعادة تخصيص الموارد نتيجة لتغير تفضيلات المستهلك. انخفاض الطلب على مجموعة من السلع يخلق بطبيعة الحال فرص نمو للقطاعات الأخرى.

إذا صاحب ذلك تحسن في الصحة العامة، يمكن أن يكون له آثار إيجابية طويلة المدى على إنتاجية القوى العاملة وتكاليف الرعاية الاجتماعية. فالحد من الأمراض المرتبطة بالسمنة وزيادة القدرة العملية وإطالة فترة النشاط الاقتصادي للأفراد هي بعض الفوائد التي أبرزتها صحيفة فايننشال تايمز.

مع ذلك، تتضح الأهمية الحقيقية لهذا التحول على مستوى أعمق. إذا لم يقتصر ضبط الشهية على الطعام، وكان بالإمكان تقليل الرغبات الإدمانية الأخرى أيضًا، فإن نطاق تأثيره سيمتد إلى قطاعات أوسع من الاقتصاد.

يعتمد جزء كبير من نظام الإنتاج والتسويق الحديث على تحفيز رغبة المستهلك والاستجابة السريعة لاحتياجاته. إذا أصبح لدى الإنسان قدرة أكبر على التحكم في رغباته الفورية، فإن آلية تكوين الطلب ستتغير.

في هذه الحالة، قد يواجه الاقتصاد مفارقة جديدة: تحسين جودة الحياة الفردية مع انخفاض الاستهلاك الكلي. من منظور الرفاهية الفردية، قد يكون الاستهلاك الأقل والادخار الأعلى مرغوبًا؛ لكن على المستوى الكلي، قد يبطئ انخفاض الطلب النمو الاقتصادي المعتمد على الاستهلاك، وهذا مهم بشكل خاص للاقتصادات التي تعتمد على طلب المستهلك كمحرك رئيسي للنمو.

رغم هذه المخاوف، يشدد التحليل على مرونة الهيكل الاقتصادي. تُظهر التجربة التاريخية أن السوق يتفاعل مع تغير تفضيلات البشر ويتكيف مع الظروف الجديدة. إذا أصبح ضبط الرغبات عملية مستدامة، فإن رأس المال والابتكار سيتجهان نحو مجالات تركز على الصحة وجودة الحياة والاستثمار طويل المدى.

بمعنى آخر، قد يدخل العالم مرحلة يصبح فيها التحكم في الرغبات، وليس توسيعها، القوة الدافعة للتحول الاقتصادي. السؤال الأساسي ليس ما إذا كان الاقتصاد الاستهلاكي سينهار، بل كيف سيتم تعريف النمو والرفاه الجديد في عصر تقليل الرغبة.

مقالات ذات صلة