الخصخصة أم النهب؟ تشريح نقل الملكية في الاقتصادات الريعية

الدكتور مجيد فريدون فر، أستاذ جامعي ومحلل الأسواق المالية
تُطرح سياسة الخصخصة في العديد من دول العالم باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسية للانتقال من الاقتصاد الموجّه إلى اقتصاد السوق الحر. ويرى المنظّرون الاقتصاديون أنها المفتاح الذهبي لرفع الكفاءة، وتعزيز المنافسة، وتقليص دور الدولة، وتحفيز الاستثمار الخاص. غير أنّ تطبيق هذه السياسة في كثير من دول العالم الثالث، ولا سيما في البُنى الريعية، أفضى إلى نتائج مختلفة تماماً.
من منظور الاقتصاد السياسي، ندرس هنا وضع الخصخصة في الدول ذات الاقتصاد الريعي، ونبيّن لماذا وكيف يتحول نقل الملكية العامة في هذه البلدان من أداة لازدهار السوق إلى شكل من أشكال النهب المُشرعن للموارد العامة. ونتحدث عن مفهوم «خصخصة نيوليبرالية ولكن غير تنافسية»، وهي عملية تتخذ شكلاً ليبرالياً ظاهرياً لكنها ترتبط بجوهر أوليغارشي.
الاقتصاد الريعي والخصخصة: تعارض بنيوي
يُعرَّف الاقتصاد الريعي تقليدياً بأنه الاقتصاد الذي يعتمد جزء كبير من دخله القومي على الريوع المتأتية من الموارد الطبيعية أو المساعدات الخارجية أو الامتيازات الاحتكارية، لا على الإنتاج. في هذا السياق، تتحول الدولة من منظم للسوق إلى الفاعل الرئيسي في تخصيص الموارد، مما يجعل الخصخصة قراراً سياسياً بامتياز.
وعليه، فإن نقل الأصول لا يتم بهدف إصلاح البنية الاقتصادية، بل لإعادة إنتاج التحالفات السياسية، وترسيخ السيطرة الطبقية، واحتواء الخصوم المحتملين داخل بنية السلطة. ومن ثمّ، فإن الخصخصة في الاقتصاد الريعي تتعارض جوهرياً مع مبادئ السوق الحر، إذ إن الفاعلين وقواعد اللعبة يُحدَّدون مسبقاً من قبل الدولة المسيطرة على الريع.
نماذج عالمية: من روسيا إلى أمريكا اللاتينية
يُظهر تحليل مسار الخصخصة في الدول ما بعد الاشتراكية مثل روسيا في تسعينيات القرن الماضي كيف أدى نقل ملكية الصناعات الثقيلة والبنوك والمناجم إلى «الأوليغارش»، إلى تعميق الفجوة الطبقية وربط الدولة بمصالح خاصة.
وبالمثل، شهدت دول في أمريكا اللاتينية مثل الأرجنتين وبوليفيا خلال المراحل النيوليبرالية موجات من الفساد والتمييز وحتى العنف الاجتماعي.
مصر: الخصخصة كأداة للضبط الطبقي
في عهد حسني مبارك، استُخدمت الخصخصة لإعادة إنتاج الولاءات السياسية داخل الطبقة الوسطى الجديدة وإقصاء الأجنحة الاقتصادية المعارضة. جرت العديد من عمليات البيع لصالح مقربين من الجيش أو الحزب الحاكم، ما أدى إلى تسريح العمال وتراجع المعايير وارتفاع السخط الاجتماعي، وهو ما أسهم في أحداث عام 2011.
فنزويلا: إعادة التأميم المعكوس
على النقيض من موجة الخصخصة، شهدت فنزويلا في عهد هوغو تشافيز موجة من إعادة التأميم. غير أن الملكية لم تنتقل فعلياً إلى عامة الشعب، بل إلى مجموعات قريبة من السلطة، ما جعلها إعادة توزيع للنفوذ بصيغة مختلفة أكثر من كونها تحولاً هيكلياً حقيقياً.
تداعيات الخصخصة الغنائمية
اقتصادياً:
• انخفاض الكفاءة في القطاعات الحيوية
• عدم تحقق الإيرادات المتوقعة للدولة
• ازدياد الاحتكار وتراجع المنافسة في السوق
• إفلاس صناعات استراتيجية تم نقل ملكيتها
اجتماعياً:
• تسريح واسع للعمال وحدوث أزمات معيشية
• تراجع الوصول العام إلى الخدمات الأساسية (كالطاقة والتعليم والصحة)
• اتساع الفجوة الطبقية وتصاعد الإحساس بالتمييز المنهجي
سياسياً ومؤسسياً:
• تعزيز طبقة جديدة من الأثرياء الموالين للسلطة
• إضعاف مؤسسات الرقابة وتفاقم الفساد المنهجي
• تآكل الثقة في السياسات الاقتصادية الكلية
⸻
دور النيوليبرالية في تنظير النهب
من النقاط الدقيقة في تحليل هذه العملية، كيفية توظيف الخطاب النيوليبرالي لتبرير سياسات غير تنافسية. فمفاهيم مثل «تقليص دور الدولة»، و«رفع الكفاءة»، و«جذب الاستثمار» تتحول إلى أدوات خطابية لتطبيق سياسات تتناقض عملياً مع هذه المبادئ. وهذا ما يصفه بعض الباحثين بـ«النيوليبرالية السلطوية» أو «النيوليبرالية المُسيَّسة»، حيث يتحول السوق الحر في الواقع إلى مشروع سلطوي.
⸻
ما هو المخرج؟
إذا لم تتم الخصخصة في إطار إصلاح مؤسسي، وشفافية، ورقابة عامة، واستقلال قضائي، فإنها تبقى عرضة للفساد وسوء الاستخدام. ومن بين الحلول المقترحة:
• تعزيز الشفافية ونشر العقود والمناقصات علناً
• تمكين وسائل الإعلام والمجتمع المدني من الرقابة الشعبية
• إعادة تعريف معايير الأهلية في عمليات البيع على أساس الكفاءة المهنية لا الولاء السياسي
• ضمان استقلال الهيئات القضائية والرقابية عن التدخلات السياسية
فقط بتحقق هذه الشروط يمكن النظر إلى الخصخصة كأداة للانتقال نحو تنمية مستدامة، لا كآلية للنهب.
⸻
الخلاصة
إن الخصخصة في الاقتصادات الريعية، دون إصلاحات مؤسسية عميقة، لا تعزز السوق ولا الكفاءة، بل تؤدي إلى إعادة توزيع غير عادلة للموارد العامة وترسيخ نفوذ طبقات محددة. وتُظهر تجارب دول مثل إيران وروسيا ومصر وفنزويلا أن نقل الملكية، إذا افتقر إلى الشفافية والمنافسة والرقابة الفعالة، لا يحل الأزمات الاقتصادية بل يفاقمها.
وهذا يدعونا إلى إعادة التفكير بجدية في خطاب الخصخصة في الدول الريعية، ولا سيما في إيران: هل ما زال بالإمكان اعتبارها طريقاً للتنمية، أم ينبغي الاعتراف بأن الخصخصة في غياب الحوكمة الرشيدة ليست سوى نهبٍ منهجي؟




