دخول الاقتصاد الروسي إلى «منطقة الموت»

يواجه اقتصاد روسيا توازناً سلبياً: يبدو مستقراً ظاهرياً، لكنه في الواقع يستنزف قدراته المستقبلية. تراجعت عائدات الصادرات، ولم يتمكن ضعف الأداء الاقتصادي من تعويض العجز في الميزانية عبر الضرائب. بلغ النمو الاقتصادي 1% فقط في عام 2025، فيما تبدو التوقعات للعام الجاري أكثر قتامة.
خلال السنوات الأربع الماضية، انقسم الاقتصاد الروسي إلى نظامين منفصلين. الأول يشمل الصناعات العسكرية والقطاعات المرتبطة بها، وهي كيانات تحظى بالأولوية في الحصول على الموارد ورأس المال والعمالة، وتشهد نمواً وتوظيفاً متزايداً. أما النظام الثاني فيضم الصناعات المدنية والشركات الصغيرة والقطاعات الاستهلاكية التي تم تهميشها. وعلى مدى ثلاث سنوات، نما الناتج الصناعي الإجمالي بنسبة 18.3%، لكن هذا النمو كان مدفوعاً تقريباً بالكامل بالقطاع العسكري، بينما انكمشت الصناعات المدنية.
الصفة الخطرة لهذا الهيكل تكمن في نوع «الوقود» الذي يغذيه. فالاقتصاد الروسي يُدار حالياً بما يُسمى «الريع العسكري»: تحويلات ميزانية إلى وحدات الدفاع تولد دخلاً ونشاطاً اقتصادياً. بخلاف عائدات النفط في العقد الأول من الألفية التي كانت تتدفق من الخارج وتخلق أثراً مضاعفاً، فإن الريع العسكري داخلي ويُستهلك في إنتاج أدوات تدميرية، أشبه بجسد يحرق عضلاته للحصول على الطاقة.
هذه ليست ركوداً تقليدياً يمكن تصحيحه بسياسة نقدية أو مالية. وكما أوضحت مجلة The Economist، فإن الركود يشبه الإرهاق ويتحسن بالراحة، أما الاقتصاد الروسي فيشبه داء المرتفعات: كلما طال البقاء في هذا الوضع ازداد سوءاً.
مالياً، بلغ العجز 5.6 تريليون روبل (73 مليار دولار) في 2025، أي 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى مستوى منذ جائحة كورونا. كما تجاوزت مدفوعات فوائد الدين الحكومي مجموع الإنفاق على التعليم والصحة. وزادت الضغوط مع تراجع عائدات النفط، خاصة مع خصم يتراوح بين 25 و30% على خام الأورال مقارنة بخام برنت، ما دفع عائدات التصدير إلى أدنى مستوى منذ 2020.
كما ساهم ضعف الأسعار عالمياً في تفاقم الضغوط؛ إذ أدى تباطؤ التضخم في الصين، وركود أوروبا، والحروب التجارية الأمريكية إلى زيادة الضغط على الاقتصاد الروسي. ورغم أن روسيا تتضرر أكثر، فإن دولاً نفطية أخرى تواجه أيضاً ظروفاً صعبة. في هذا السياق، قد يُفترض أن تدفع الظروف الصعبة الحكومة نحو التفاوض وإنهاء الحرب، لكن فلاديمير بوتين يراقب أيضاً أداء القوى الأخرى ونقاط ضعفها.
قد تستمر روسيا في الحرب لفترة طويلة، لكن لا اقتصاد ولا مؤسسة يمكن أن تبقى في «منطقة الموت» إلى الأبد. إن إنهاء الحرب أو بدء إصلاحات اقتصادية يمثل الحد الأدنى لإعادة البناء، وكل عام إضافي في هذا الوضع يزيد المخاطر النظامية، من أزمة مالية إلى انهيار مؤسسي. والسؤال أمام صناع القرار الدوليين هو: عندما يبدأ مسار التراجع، أي نوع من روسيا سيبقى، وهل توجد خطة لإدارة ذلك؟




