مقالات الرأي

إصلاح موازنة عام 1405: من منطق محاسبة النفقات إلى حوكمة الأمن الغذائي والأمن البيولوجي

حتّى مع توفّر الموارد الكثيرة، من دون اختيار المسار الصحيح لن نصل إلى الهدف. تُعَدّ موازنة عام 1405هـ.ش في وقتٍ يواجه فيه البلد، في آنٍ واحد، تحدّياتٍ اقتصادية وبيئية وصحية وأمنًا غذائيًا. إنّ إصلاح هذه الموازنة يجب أن يتجاوز الرؤية قصيرة الأمد والقائمة على التكاليف، ويتّجه نحو استثمار طويل الأمد قائم على الأمن والاستدامة.

الأمن الغذائي والتهديدات البيولوجية؛ الحلقة المغفلة في الموازنة

الأمن الغذائي يعني أن يتمكّن أفراد المجتمع، في جميع الظروف، من الوصول إلى غذاءٍ كافٍ، سليمٍ ومستدام. ولا يقتصر هذا المفهوم على الزراعة فحسب، بل يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالأمن القومي، والصحة العامة، والاستقرار الاجتماعي.

خلال السنوات الأخيرة، واجه القطاع الزراعي عدّة اختلالات هيكلية، من أبرزها:

  • الاعتماد الكبير على استيراد مدخلات الأعلاف الحيوانية

  • التدهور الشديد للتربة وانخفاض إنتاجية المراعي

  • ضعف إدارة الأمراض الحيوانية والنباتية

  • قلّة الاهتمام بالتهديدات البيولوجية المستجدّة

تشمل التهديدات البيولوجية الأمراض الحيوانية، والآفات، والعوامل الممرِضة الناشئة، وتأثيرات التغيّر المناخي. وإذا لم تُؤخَذ هذه التهديدات في الحسبان ضمن الموازنة، فإنّ كلفتها ستتضاعف وتظهر على شكل أزمات وطنية.

الطابع الفوق-حكومي للتخطيط والموازنة؛ ضرورة لا خيار

من أوجه القصور المزمنة في نظام الموازنة، الطابع الحكومي المفرط. فعندما تُحصر عملية التخطيط والموازنة بالأجهزة التنفيذية الحكومية فقط، يتم تجاهل خبرات الجامعات، وقدرات القطاع الخاص، وإمكانات الأمن الوقائي، وتجارب المجتمعات المحلية.

ويعني النهج الفوق-حكومي ما يلي:

  • وضع السياسات من خلال مجالس تشاركية تضم الجامعات

  • التنفيذ بالشراكة مع القطاع الخاص والتعاونيات

  • الرقابة بمشاركة فاعلة من المؤسسات المجتمعية

ومن مزايا هذا النهج:

  • تعزيز الشفافية والمساءلة

  • تقليل أخطاء اتخاذ القرار المكلفة

  • رفع كفاءة استخدام الموارد

  • الجمع بين المعرفة العلمية والمعرفة المحلية

  • تعزيز الثقة العامة

وقد أثبتت تجارب دول عديدة أنّ الموازنة التشاركية تؤدي إلى استخدامٍ أدقّ وأكثر فاعلية للموارد المحدودة.

دروس من التجارب العالمية الناجحة

من أبرز هذه التجارب مشروع الحزام الأخضر ومكافحة التصحر في إفريقيا الذي انطلق عام 2005، وكان هدفه استصلاح نحو مئة مليون هكتار من الأراضي المتدهورة. وحتى اليوم، أُعيد تأهيل عشرات الملايين من الهكتارات—بمساحة تعادل 4.7 أضعاف مساحة إيران—وتمّ خلق ملايين فرص العمل المحلية.

وأهم ما يميّز هذه التجربة:

  • لم تكن الحكومات اللاعب الوحيد

  • لعبت المجتمعات المحلية الدور المحوري

  • استُخدمت تقنيات بسيطة، منخفضة التكلفة، ومحلية

وقد أثبت هذا المشروع أنّ مكافحة التصحر ليست حلمًا، بل خيارًا إداريًا قابلًا للتنفيذ.

مراعي وصحارى إيران؛ ثروة منسيّة

تبلغ مساحة البلاد نحو 164 مليون هكتار، منها:

  • حوالي 86 إلى 90 مليون هكتار مراعي

  • نحو 10 ملايين هكتار فقط في حالة جيدة

  • قرابة 32 مليون هكتار مناطق صحراوية

وتشير هذه الأرقام إلى أنّ إحياء المراعي يمكن أن يحلّ جزءًا كبيرًا من مشاكل أعلاف الثروة الحيوانية، والعواصف الترابية، وحتى البطالة.

مقترح استراتيجي

إحياء المراعي المطرية عبر:

  • استخدام الطائرات المسيّرة لنثر البذور

  • زراعة الأنواع المحلية المقاومة

  • إدارة الرعي بمشاركة الرعاة

وهي طريقة منخفضة التكلفة، سريعة التنفيذ، وناجحة في الدول الجافة.

استيراد مدخلات الأعلاف؛ مراجعة ضرورية

خُصِّص في العام الماضي نحو 16 مليار دولار من العملة المدعومة لاستيراد الأعلاف الحيوانية، وهو رقم ضخم يعكس خللًا هيكليًا.

ويُقترح:

  • توجيه جزء من هذه الموارد إلى الإنتاج المحلي للأعلاف

  • اعتبار إحياء المراعي مصدرًا مستدامًا للتغذية

  • تقليل الاعتماد على العملة التفضيلية

وهذا التحوّل يخدم المنتجين، ويعزّز الأمن الغذائي، ويحافظ على الاحتياطيات النقدية.

تلوّث الهواء، الأمراض، والتكاليف الخفية

يُعدّ تلوّث الهواء—المسؤول عن نحو 15٪ من الوفيات السنوية—من العوامل الرئيسة لأمراض القلب والجهاز التنفسي وانخفاض متوسط العمر. وتفوق تكاليف العلاج والخسائر الاقتصادية كلفة الوقاية بأضعاف.

البرنامج المقترح:

  • تطوير أحزمة خضراء حول المدن

  • خفض مصادر التلوّث

  • تعزيز برامج التطعيم والوقاية

  • التوعية العامة وتغيير أنماط الاستهلاك

فكل وحدة إنفاق في الوقاية توفّر عدة وحدات في العلاج.

عندما يصبح الأمن الغذائي خط الدفاع الأول عن الصحة الوطنية

عندما يُعتمَد الأمن الغذائي وإدارة التهديدات البيولوجية كأولوية استراتيجية في الموازنة والحَوكمة، ستنخفض تلقائيًا نسبة كبيرة من الأمراض الشائعة، لأن الغذاء السليم والمستدام والخالي من التلوّث البيولوجي يُعالج جذور أمراض القلب والجهاز الهضمي والمناعة والتمثيل الغذائي. والنتيجة هي مجتمع أطول عمرًا وأكثر صحة، ودولة أقلّ عبئًا من تكاليف العلاج واستيراد الأدوية، حيث تتحوّل صحة الناس إلى أعظم رأس مال وطني.

آليات التنفيذ والمساءلة المجتمعية

لتنفيذ هذه المقترحات في موازنة العام القادم، يجب على الحكومة والبرلمان اتخاذ خطوات متزامنة:

  1. إنشاء بنود موازنة واضحة وغير قابلة للتحويل للأمن الغذائي، وإنتاج اللقاحات، ومواجهة التهديدات البيولوجية

  2. تضمين أحكام قانونية مُلزِمة للشراكة مع القطاع الخاص والجامعات والمؤسسات المجتمعية

  3. اعتماد نظام تقارير دورية وعلنية لمتابعة التقدّم

إلى جانب ذلك، يجب تفعيل المساءلة عبر الجامعات، والجمعيات العلمية، والنقابات، ووسائل الإعلام، لمراقبة التنفيذ وضمان الشفافية.

أولويات التهديدات البيولوجية

  • الوقاية والرصد المبكر

  • الاكتفاء الذاتي في اللقاحات والأدوية الاستراتيجية

  • سلامة سلسلة الغذاء من المزرعة إلى المائدة

  • تنمية رأس المال البشري والتكنولوجيا المحلية

  • الحَوكمة التشاركية فوق-الحكومية

الخلاصة الاستراتيجية: ماذا يجب أن تكون موازنة 1405؟

يجب أن:

  • تجعل الأمن الغذائي محورًا أساسيًا

  • تتعامل بجدية مع التهديدات البيولوجية

  • تكون تشاركية وفوق-حكومية

  • تعزّز الإنتاج المحلي بدل الاستيراد

  • تعتبر صحة الإنسان والبيئة استثمارًا لا كلفة

إصلاح الموازنة هو إصلاح لمسار المستقبل. وإذا أحسنّا القرار اليوم، سندفع أقلّ غدًا، ونبني إيران أقوى.

مقالات ذات صلة