الأزمة النقدية في إيران: عندما تتحول العقوبات إلى احتجاج في الشارع

أسامة آل جعفر، مراسل «صدای سَما» في الولايات المتحدة الأمريكية
قبل الحديث عن الحشود والغاز المسيل للدموع، لا بد من تسمية المحرك الأساسي الذي يكرّس هذه الصدمات في إيران: منظومة العقوبات والحرب المالية. سنوات من خنق عائدات النفط، وتسميم القنوات المصرفية، وتحويل التجارة العادية إلى حقل ألغام، جعلت العملة الوطنية شديدة الهشاشة أمام الذعر. وفي ظل الحصار، لا يدمّر تراجع العملة الجداول الاقتصادية فحسب، بل يضرب الخبز والإيجار والنقل والدواء، وحتى القدرة على التخطيط للغد.
عندما يصوّر الغرب ذلك كفشل إيراني، ينبغي فهم قسوة هذا السيناريو: العقوبات تصنع الجرح، ثم يُستخدم النزيف دليلاً على أن المريض يستحق مزيدًا من الضغط. ولهذا تكتسب موجة الاحتجاج الأخيرة أهميتها؛ فهي ليست سياسة مجردة، بل ترجمة مباشرة لضغط العقوبات إلى واقع الشارع.
لقد تسربت الصدمة النقدية من سوق الصرف إلى الفضاء العام. فبعد أن سجّل الريال أدنى مستوى له في السوق الحرة، اندلعت احتجاجات قادها تجار وباعة في طهران، مع تقارير عن تحركات مماثلة في مدن مثل أصفهان. وفي أجزاء من العاصمة، استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود.
الشرارة كانت تلك اللحظة التي تتسارع فيها الأسعار أسرع من قدرة الأعمال على التكيف، ويشعر الناس بأن أجورهم تذوب أمام أعينهم. هنا تبدأ الحرب الاقتصادية بالتحول إلى سياسة شارع. وبمجرد أن يصبح الألم مرئيًا، تنشط منظومة خارجية لاستثماره. وسائل إعلام أجنبية، وشبكات الشتات، وحملات منسقة على وسائل التواصل الاجتماعي تحوّل احتجاجًا محليًا إلى مشهد عالمي خلال ساعات، مع حذف سياق العقوبات ودفع رواية واحدة: الدولة تنهار.
بالنسبة لمن تابع سياسات تغيير الأنظمة، فإن الخطوات التالية معروفة. العواصم نفسها التي صممت الخنق الاقتصادي تستخدم الاضطرابات لتبرير مزيد من الضغط تحت شعار «دعم الشعب»، بينما هذا الضغط الإضافي هو ما يسحق الشعب فعلًا. وقد ظهرت إشارات إلى ذلك، بما في ذلك خلال لقاءات بين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
هذا يثير سؤالًا ضروريًا حول الدور الخارجي. تمتلك إسرائيل سجلًا موثقًا في العمليات السرية والتخريب والحرب السيبرانية والنفسية ضد إيران، مع دافع واضح لاستغلال عدم الاستقرار. لكن يجب التمييز بين التخطيط المباشر والاستغلال الانتهازي. الأدلة المتاحة حتى الآن تشير بقوة إلى الثاني: تضخيم وسرقة الرواية، لا صناعة الاحتجاجات.
الاستغلال الخارجي لا يتطلب قيادة خارجية. حتى الاحتجاجات العفوية يمكن تسليحها عبر دورة معروفة: نزع الشرعية عن الدولة، حذف العقوبات من القصة، تضخيم الهلع الاقتصادي، الدفع نحو تدخل دولي، تبرير عقوبات إضافية، وزيادة الضغط السري تحت غطاء التشتيت الإعلامي.
وعليه، يجب الاعتراف بحقيقتين في آن واحد: المطالب حقيقية ومحلية، وأعداء إيران يحولونها بنشاط إلى أداة جيوسياسية.
ردّ الفعل الإيراني يعكس كيف يتردد صدى تحركات السوق على مستوى البلاد. أُفيد باستقالة محافظ البنك المركزي محمد رضا فرزين (بانتظار موافقة رئاسية)، مع تداول اسم عبد الناصر همتي كبديل محتمل. النمط واضح: انهيار العملة، إغلاق الأسواق، احتجاجات، ثم محاولة استعادة الثقة بتغيير القيادة النقدية. فالعملة مسألة نفسية بقدر ما هي اقتصادية، وعندما تنهار النفسية، تتقدم سياسة الشارع.
التضخم ليس عنوانًا صحفيًا؛ إنه ضريبة يومية على الحياة. ومع ارتفاع التضخم وتراجع العملة، يندفع الناس نحو ملاذات آمنة—الدولار، الذهب، السلع—ما يزيد الضغط على العملة في حلقة مفرغة. هذه الحلقة هي بالضبط ما صُممت حرب العقوبات لإشعاله.
يمكن الإشارة إلى عوامل داخلية ثانوية دون تبرئة الغرب. ففي ظل الحصار، تُشل أدوات الاستقرار. تُخنق الاستثمارات، يصعب الوصول إلى المعدات وقطع الغيار، وحتى الدواء يتعثر بسبب القيود المصرفية. تصبح الحوكمة الرشيدة إطفاء حرائق بيد واحدة.
العقوبات هنا عقاب جماعي—حصار اقتصادي لإنتاج اضطراب داخلي. وإذا كان الهدف تغيير السلوك، فإن استهداف المعيشة هو الطريق.
التوقعات
خلال الأسابيع 2–4 المقبلة، العامل الحاسم هو استعادة الثقة بالعملة. وفي المدى 4–12 أسبوعًا، يعتمد خطر التصعيد على ما إذا بقيت الحركة اقتصادية أم تحولت إلى احتجاج كرامة واسع. وهنا سيحاول الخصوم استغلال أي لحظة مفصلية بأقصى ضغط إعلامي وعقابي.
وفي الختام: العقوبات ليست بديلاً إنسانيًا للحرب؛ إنها حرب اقتصادية. ومن يهتم فعلًا بالشعب الإيراني لا يخنق نظامه المصرفي ويسمي ذلك حرية. فالاستقرار لا يولد من الخنق.




