اتحاد قسري للإطاحة: إما بهلوي أو الإقصاء…

لم يكن معارضو الجمهورية الإسلامية الذين يطلقون على أنفسهم «إسقاطيين» تيارًا متجانسًا في أي وقت مضى. فهذا الطيف يضمّ الملكيين والجمهوريين الليبراليين، إلى جانب جماعات اليسار، و«المنافقين» (مجاهدي خلق)، والانفصاليين القوميين، وشبكة من النشطاء الإعلاميين والمشاهير المقيمين في الخارج؛ وهي مجموعة غير متجانسة لها تاريخ طويل من الخلافات، والتخوين المتبادل، ونفي بعضهم لبعض.
ومع ذلك، خلال الأشهر الأخيرة، برز خط إعلامي وسياسي يعمل بوضوح على إبراز رضا بهلوي بوصفه «قائدًا» أو على الأقل «حامل لواء» هذا التيار الإسقاطي؛ وهو خطّ لا يعكس إجماعًا حقيقيًا، بل هو في الأساس نتاج ضغط خارجي وحاجة دعائية.
والواقع أن تيارات الإسقاط بطبيعتها تفتقر إلى الانسجام، وقد حالت عوامل مثل الخلافات الأيديولوجية، والصراعات الشخصية، والتنافس على الظهور، وغياب القيادة والبنية التنظيمية، دائمًا دون تشكّل جبهة موحّدة في ما بينها.
وهذه المرّة أيضًا، لا يعود الأمر إلى نضج سياسي، بل إلى إكراه خارجي. فقد أوحت رسائل غير رسمية وعلنية لبعض الشخصيات الأمريكية، ولا سيما في محيط دونالد ترامب، بأن «الدعم الخارجي غير ممكن من دون وجود شخصية واحدة تبدو موحِّدة ومتماسكة».
لكن هذه الفرضية نفسها واجهت تشكيكًا من ترامب شخصيًا. إذ قال في آخر تصريح له بشأن رضا بهلوي صراحةً إنه لا يعلم ما إذا كان الشعب الإيراني سيقبل بقيادته أم لا!
وعلى الرغم من هذه الشكوك، تبذل المعارضة الإسقاطية — ولا سيما الملكيون — كل ما في وسعها لإظهار نوع من الوحدة الدنيا والمفروضة؛ وحدة هي أقرب إلى أن تكون نتاج التهديد، والإقصاء، والشتائم، والضغط النفسي على المعارضين داخل التيار نفسه، أكثر من كونها ثمرة توافق حقيقي بين المجموعات المختلفة…
تكرار مصير فاشل
قبل نحو عامين، حاول ستة من الشخصيات المعارضة للجمهورية الإسلامية، وهم: رضا بهلوي، عبد الله مهتدي، شيرين عبادي، نازنين بنيادي، مسيح علي نجاد، وحامد إسماعيليون، من خلال عقد اجتماعات وإصدار بيانات مشتركة، تقديم صورة عن «الوحدة» و«القيادة الجماعية». غير أن هذا التقارب لم يكن نتاج اشتراك استراتيجي حقيقي، بقدر ما كان عرضًا إعلاميًا مؤقتًا سرعان ما انهار.
وقد شكّلوا ائتلافًا تحت اسم «التضامن من أجل الديمقراطية والحرية في إيران»، إلا أن هذا الائتلاف الصاخب تفكك بعد اجتماع أو اجتماعين فقط، جلس فيهما هؤلاء الستة عمليًا جنبًا إلى جنب تحت الإكراه.
الخلافات حول مسألة القيادة، وتقاسم النفوذ السياسي، وطبيعة العلاقة مع الحكومات الأجنبية، وكيفية التعاطي مع العقوبات، وحتى القضايا الشخصية والاعتبارية، حوّلت هذا الجمع في وقت قصير إلى ساحة صراعات علنية؛ إلى حدّ أن بعض هذه الشخصيات اتهمت بعضها البعض بالعجز، والانتهازية، والارتهان للخارج، بل وحتى بالخيانة. وسرعان ما حلّت لغة حادة ومهينة، وأحيانًا مبتذلة، محل الخطاب النقدي، وتعاظمت الانقسامات إلى درجة أُغلقت معها عمليًا أي إمكانية لإحياء هذا الائتلاف.
وكان حامد إسماعيليون أول من انسحب من هذا الائتلاف — «المزعوم» — مبررًا قراره بوجود «مجموعات ضغط» تسعى «من الخارج» و«بأساليب غير ديمقراطية» إلى فرض رؤاها على المجموعة. وكانت إحدى هذه المجموعات — بل أبرزها — هي التيار الملكي.
وبعد إسماعيليون، انسحب رضا بهلوي أيضًا من المجموعة، لكن الأعضاء الأربعة المتبقين أصدروا بيانًا أكدوا فيه التزامهم بـ«التضامن» ومواصلة المسار؛ وهو ادعاء كان فارغًا إلى حدّ لم يأخذه لا الرأي العام ولا حتى أصحاب البيان أنفسهم على محمل الجد، لتنتهي هذه الوحدة الورقية عمليًا.
واللافت أنه بعد تفكك هذا الجمع، لم تُبذل أي محاولة جادة لرأب الصدع، بل سلك كل واحد من هؤلاء مسارًا إعلاميًا وسياسيًا منفصلًا، وفي بعض الحالات تحوّل إضعاف الآخرين وتشويههم إلى جزء من ممارستهم السياسية. وهذا يجسّد بدقة القاعدة الراسخة بشأن معارضي الجمهورية الإسلامية، الذين لا يقبلون بوجود الآخر، كما يسلّط الضوء على غياب البرنامج المشترك، وانعدام آليات اتخاذ القرار، والعجز عن تحمّل الاختلاف داخل صفوف المعارضة، ويُظهر بوضوح أن المعارضة المقيمة في الخارج، حتى مع تمتعها بدعم إعلامي وسياسي خارجي، تفتقر إلى الحد الأدنى من النضج التنظيمي اللازم لإدارة خلافاتها الداخلية وتقديم بديل متماسك.
رضا بهلوي؛ خيار بلا منافس أم الخيار المفروض الوحيد؟
يُطرح رضا بهلوي اليوم ليس بسبب امتلاكه قبولًا اجتماعيًا داخل إيران، بل نتيجة غياب بديل يحظى بتوافق داخل صفوف المعارضة، بوصفه خيارًا «قابلًا للتسويق» للغرب.
بالنسبة لجزء من تيار إسقاط النظام — ولا سيما اليساريين، والجمهوريين، وحتى «المنافقين» (مجاهدي خلق) — فإن الملكية ليست غير مقبولة فحسب، بل تستحضر ماضيًا تربطهم به عداوة أيديولوجية. ومع ذلك، فإن الضغط من أجل «الصمت حفاظًا على الوحدة» دفع بهذه الخلافات مؤقتًا إلى ما تحت السجادة؛ ضغطٌ تُستخدم فيه، إلى جانب قناة «إيران إنترناشيونال» (التي تُدار تحت إشراف الموساد الإسرائيلي) وبعض الجهات الأخرى، أجواءٌ قاسية وعدائية على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يُواجَه أي صوت معارض بحملات تشويه وإهانات وتشهير، بهدف ردع الآخرين عن إبداء أي اعتراض.
عار التدخل الخارجي؛ شرخ لا يمكن ترميمه
وفي هذا السياق، لا ينبغي تجاهل واحدة من أخطر فضائح المعارضة الإسقاطية: التوسل إلى القوى الأجنبية لشن هجوم عسكري على إيران، وهي مسألة يُرجَّح أن تكون أحد العوامل التي ستُسقط هذا العرض الجديد أيضًا.
إن استجداء الحكومات الأجنبية لشن حرب على إيران لا يمكن اعتباره مجرد تكتيك سياسي. فهذا السلوك يمثل وصمة تاريخية ستبقى إلى الأبد على جبين هذا التيار. مطلب فاضح إلى حد أن كثيرين حتى داخل صفوف المعارضين أنفسهم غير مستعدين لتحمّل تبعاته الأخلاقية والتاريخية؛ مطلب يعني عمليًا القبول بمقتل الناس، وتدمير البلاد، وتكرار السيناريوهات الكارثية في المنطقة.
وفي هذا الإطار، يبدو أن الملكيين وشخص رضا بهلوي أكثر تعطشًا من غيرهم لهذا المسار؛ إلى حد أنهم يصفون إراقة دماء الإيرانيين صراحةً بأنها «تكلفة الحرب»، ويوجّهون، بأشكال مختلفة وباللغتين الفارسية والإنجليزية، رسائل إلى ترامب ونتنياهو يطالبون فيها بتسريع الهجوم العسكري على إيران — ليس سرًا، بل علنًا.
اللغة البذيئة؛ نقطة الالتقاء الوحيدة
ومع ذلك، فإن معارضي الجمهورية الإسلامية لا يخلون تمامًا من نقاط مشتركة. فالقاسم المشترك بين معظم هذه التيارات ليس برنامجًا سياسيًا ولا رؤية واضحة للمستقبل، بل استخدام لغة بذيئة، والشتائم، والإقصاء اللفظي للخصوم. وقد أثبتت التجربة أنه كلما خفّ الضغط الخارجي أو تراجع الزخم الإعلامي، يعود هذا التيار سريعًا إلى «إعدادات المصنع»: صراعات علنية، فضائح داخلية، وهجمات شخصية — دون فرق يُذكر بين الملكيين، والمنافقين، وغيرهم.
وبناءً على ذلك، يمكن التنبؤ — استنادًا إلى الشواهد القائمة — بأن هذا «التحالف» الحالي للمعارضين الإسقاطيين تحالف قصير الأمد وهش، يعتمد بشدة على الضغط الخارجي والأمل في الدعم الأجنبي، وسينهار مع أول إخفاق سياسي أو أول تجاهل من الطرف الخارجي. / تسنيم




