القسم السادس: الحقائق الخفيّة والوثائق وراء الكواليس (الجزء الثالث)

دور الشهيد القائد قاسم سليماني في سوريا: التفاصيل والتحليل العميق
لعب الشهيد القائد الحاج قاسم سليماني، القائد السابق لفيلق القدس في الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، دوراً محورياً ومتعدد الأبعاد في تطورات الحرب الأهلية السورية. فقد شملت أنشطته في هذا البلد، والتي تصاعدت منذ عام 2011 مع اندلاع الأزمة السورية، مجالات التنسيق العسكري، والدبلوماسية السرية، وتنظيم القوات شبه العسكرية، وتعزيز محور المقاومة في مواجهة الجماعات المسلحة وتنظيم داعش. في هذا القسم، نستعرض تفاصيل دور الشهيد سليماني في سوريا، مع التركيز على الجوانب الاستراتيجية والعملياتية والسياسية.
1. التمهيد والدخول في الأزمة السورية
اندلعت الحرب الأهلية السورية عام 2011 على شكل احتجاجات شعبية ضد حكومة بشار الأسد، لكنها سرعان ما تحولت إلى صراع معقد بتدخل أطراف إقليمية ودولية. وبالنسبة لإيران، كان الحفاظ على حكومة الأسد أمراً حيوياً بوصفها أحد الأعمدة الأساسية لـ«محور المقاومة» (الذي يضم إيران، وحزب الله اللبناني، والحكومة السورية). وقد تولى قاسم سليماني، بصفته مهندس الاستراتيجية الإقليمية لإيران، منذ البداية مسؤولية توجيه سياسات طهران في سوريا.
وبحسب تقارير منشورة، بدأ سليماني حضوره الفاعل في سوريا اعتباراً من عام 2012. ولم يقتصر دوره على كونه قائداً عسكرياً، بل عمل أيضاً كاستراتيجي سياسي ودبلوماسي. وكان هدفه الرئيسي منع سقوط حكومة الأسد بيد الجماعات المسلحة مثل «الجيش السوري الحر»، ولاحقاً التنظيمات المتطرفة كجبهة النصرة وتنظيم داعش. وقد اضطلع سليماني بهذا الدور من خلال التنسيق مع القوات العسكرية الإيرانية، وحزب الله اللبناني، والفصائل المسلحة العراقية، بل وحتى قوى خارجية مثل روسيا.
2. الدور العسكري لسليماني في سوريا
تنظيم القوات شبه العسكرية ومحور المقاومة
من أبرز إنجازات سليماني في سوريا تنظيم وتعزيز القوات شبه العسكرية المتحالفة مع إيران. فقد أنشأ شبكة من الجماعات المسلحة ضمت قوات إيرانية، وحزب الله اللبناني، وفصائل شيعية عراقية وأفغانية (مثل لواء فاطميون)، ما أسهم في تشكيل جبهة قوية في مواجهة معارضي الأسد. وكانت هذه القوات، التي عملت تحت الإشراف المباشر لفيلق القدس، حاضرة في عمليات مفصلية مثل معركة حلب (2016)، وتحرير دير الزور (2017)، والبوكمال (2017).
شارك الشهيد سليماني شخصياً في تخطيط وتنفيذ العمليات العسكرية. فعلى سبيل المثال، خلال معركة حلب التي شكّلت نقطة تحول في الحرب السورية، قاد سليماني استراتيجية حصار المدينة بالتنسيق مع قوات حزب الله والجيش السوري. وأسفرت هذه العملية عن استعادة حلب من أيدي الفصائل المسلحة، ما مثّل محطة حاسمة في تثبيت سيطرة الحكومة السورية على المناطق الاستراتيجية. وأظهرت صور محدودة نُشرت آنذاك سليماني إلى جانب مقاتلي حزب الله وقادة الجيش السوري، في دلالة واضحة على حضوره الميداني المباشر.
التعاون مع روسيا
من أبرز محطات دور سليماني في سوريا مفاوضاته السرية مع المسؤولين الروس لاستقطاب الدعم العسكري الروسي. ففي صيف عام 2015، زار سليماني موسكو والتقى الرئيس فلاديمير بوتين وعدداً من كبار المسؤولين الروس. وخلال هذه اللقاءات، قدّم خرائط عملياتية ومعلومات ميدانية، وتمكّن من إقناع الجانب الروسي بأن التدخل العسكري المباشر في سوريا يخدم المصالح المشتركة لإيران وروسيا. وأسفرت هذه الجهود عن التدخل الرسمي للقوات الجوية والبرية الروسية في سوريا في سبتمبر/أيلول 2015، وهو ما شكّل نقطة تحول حاسمة في تعزيز موقع الأسد في مواجهة خصومه.
كما لعب الشهيد سليماني دوراً أساسياً في تنسيق العمليات المشتركة بين القوات الإيرانية والسورية والروسية. فعلى سبيل المثال، في عملية تحرير تدمر (بالميرا) عام 2016، عملت القوات الخاضعة لإشرافه جنباً إلى جنب مع الجيش السوري والقوات الروسية. وقد عكست هذه العمليات، التي جمعت بين الغطاء الجوي الروسي والتحركات البرية للقوات المتحالفة مع إيران، قدرة سليماني على إدارة تحالفات عسكرية معقدة بكفاءة عالية.
مكافحة تنظيم داعش
كان للشهيد سليماني دور محوري في محاربة تنظيم داعش داخل الأراضي السورية. فقد عمل على تنظيم قوات الحشد الشعبي العراقية ولواء فاطميون، وركّز العمليات على الجبهات الشرقية لسوريا، ولا سيما المناطق القريبة من الحدود العراقية مثل دير الزور والبوكمال. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وجّه سليماني رسالة إلى قائد الثورة الإسلامية أعلن فيها نهاية سيطرة داعش في سوريا، وذلك عقب تحرير مدينة البوكمال، آخر معاقل التنظيم الرئيسية في شرق البلاد.
وقد حضر الشهيد سليماني شخصياً هذه العملية، وأظهرت الصور المنشورة آنذاك وجوده إلى جانب قواته وهو يشرف على سير المعارك من الخطوط الأمامية، في تأكيد على دوره القيادي والميداني المباشر.




