أخبار العالم

اللعبة المكلفة لواشنطن مع طهران

أشار موقع ذا كونفرسيشن الإخباري في تقرير له، في ظل التوترات القائمة في المنطقة، إلى أن الوضع المضطرب الحالي أقرب إلى مفهوم «سياسة حافة الهاوية» (Brinkmanship) منه إلى كونه استعداداً فعلياً للحرب، وهي سياسة يقوم نجاحها على تمكّن الدولة التي تنتهجها من تحقيق أهدافها من دون الانزلاق إلى حرب شاملة. وأضاف الموقع أن التاريخ السياسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يُعد محوراً أساسياً لفهم هذا التفسير، إذ إن وعوده السياسية، سواء في عام 2016 أو في عام 2024، تمحورت حول إنهاء الحروب الأمريكية الطويلة والمفتوحة.

وتُعد فكرة الدخول في صراع مع إيران نموذجاً واضحاً لمثل هذه الحروب المكلفة وطويلة الأمد، حيث يحذّر كثيرون من أن أي مواجهة شاملة مع إيران من شأنها أن تجرّ المنطقة بأكملها إلى نزاع طويل. وبناءً على ذلك، فإن أي مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن أن تؤدي فقط إلى مأزق عسكري لواشنطن، بل ستُحدث أيضاً صدمة عميقة في الاقتصاد العالمي للطاقة. وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن تحقيق تفوق أو نصر حاسم في ساحة المعركة ضد إيران ليس أمراً سهلاً. وهذا يعني أن الدخول في صراع مع إيران يتعارض بشكل كامل مع أهداف السياسة الخارجية لشخص مثل ترامب، الذي تقوم علامته السياسية على الردع الخارجي والانقسام الداخلي.

وأضاف ذا كونفرسيشن أن البنية السياسية والعسكرية الإيرانية بأكملها قد أعدّت نفسها لسيناريو المواجهة. فمنذ ثورة عام 1979، تشكّلت العقيدة العسكرية والسياسة الخارجية الإيرانية على أساس البقاء في ظل الضغوط والهجمات الخارجية. كما استثمرت إيران خلال العقود الماضية بشكل واسع في القدرات غير المتماثلة، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والمجنحة، والقوى الحليفة لها في المنطقة، والعمليات السيبرانية، واستراتيجيات منع الوصول مثل الدفاعات الجوية، والألغام البحرية، والزوارق السريعة والطائرات المسيّرة. ويعني ذلك أن إيران تعتمد نهج الردع ومنع التهديدات الخارجية من الوصول إلى حدودها بدلاً من المواجهة المباشرة مع قوة كبرى كالولايات المتحدة.

ولهذا السبب، فإن مقارنة التوترات الحالية بين إيران والولايات المتحدة بوضع العراق عام 2003 تُعد مقارنة خاطئة. فخلافاً للعراق في عهد صدام حسين، تُعد إيران دولة أكبر مساحة، وأكثر سكاناً، وأكثر استعداداً من الناحية العسكرية. ومن ثم، فإن أي هجوم عسكري مباشر على إيران لن يؤدي إلى انهيار النظام، بل سيدفع البلاد إلى الدخول في طبقة دفاعية صُممت خصيصاً لمثل هذه السيناريوهات. وبعبارة أخرى، فإن التحدي الحقيقي للولايات المتحدة لا يكمن في بدء حرب شاملة، بل في القدرة على تحمّل تبعاتها. وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير بتاريخ 30 يناير أن ضغوطاً كبيرة تُمارَس على ترامب لاتخاذ إجراء عسكري ضد إيران، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان سيستجيب لها أم لا.

تكلفة الصراع مع إيران

لا ينبغي إغفال أن حربي الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان — مع احتساب تكاليف إعادة الإعمار ورعاية المحاربين القدامى وغيرها — كلّفتا الخزانة الأمريكية ما بين 6 و8 تريليونات دولار حتى الآن. وقد استمرت هذه النزاعات لعقود، وفرضت على واشنطن تكاليف تفوق بكثير التقديرات الأولية. أما أي مواجهة محتملة مع إيران، التي تمتلك قدرات عسكرية ودفاعية أكبر من هذين البلدين، فلن تفرض أعباء مشابهة فحسب، بل قد تُنهك الاقتصاد الأمريكي المثقل بالديون من الداخل.

كما يجب الأخذ في الاعتبار أن الولايات المتحدة تخوض حالياً منافسة شرسة مع دول مثل روسيا والهند والصين. وقد دفعت الاستثمارات العالمية الواسعة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي واشنطن إلى دق ناقوس الخطر بشأن احتمال تخلفها عن ركب المنافسة. إن الانخراط في حرب في الشرق الأوسط قد يزيد من تراجع الولايات المتحدة في سباقها الاقتصادي مع قوى مثل الصين. يضاف إلى ذلك أن الموقع الاستراتيجي لإيران، الواقعة عند تقاطع طرق الطاقة العالمية، قد يحوّل أي هجوم عليها إلى عامل إضرار مباشر بالمصالح الأمريكية، إذ يمكن أن يعطّل تدفق الطاقة عبر ممرات حيوية مثل مضيق هرمز، ما يؤدي إلى ارتفاع عالمي في أسعار النفط ومصادر الطاقة الأخرى.

نمط مختلف من تصعيد التوتر

وفي السياق ذاته، ذكرت صحيفة الشرق الأوسط في تقرير بتاريخ 29 يناير أنه لا يمكن الجزم بعدُ بأن التوترات الحالية ستقود إلى حرب شاملة. وأشارت الصحيفة إلى أن طبيعة وحجم هذه التوترات تختلف كثيراً عن النماذج السابقة خلال العام الماضي، موضحة أن التحركات الأمريكية الأخيرة تعكس حزمة دفاعية–هجومية تتيح أمام واشنطن خيارات وسيناريوهات متعددة. كما أن نشر حاملات الطائرات وأنظمة الدفاع المختلفة حول إيران يشير أساساً إلى الاستعداد للهجوم والتصدي لأي رد إيراني محتمل.

وأضافت الصحيفة أن واشنطن تدرك جيداً أن تدخلها مجدداً في الشرق الأوسط لن يكون سهلاً أو بلا كلفة، كما لو كان سيناريو الهجوم على فنزويلا أو اختطاف رئيسها نيكولاس مادورو. فلا شك أن الوضع الجيوسياسي لإيران أكثر تعقيداً بكثير، وأن قدراتها الدفاعية تفوق بكثير قدرات دول مثل فنزويلا. وخلص التقرير إلى أن غياب اليقين في هذه المرحلة قد يكون بحد ذاته جزءاً من حرب نفسية تهدف إلى دفع طهران للقبول بشروط واشنطن.

استمرار الجهود الدبلوماسية

تأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه دول الجوار إلى إيجاد بدائل سلمية للتوتر الراهن. فقد ذكرت صحيفة فايننشال تايمز في تقرير بتاريخ 30 يناير أن دولاً عربية في المنطقة حذّرت الولايات المتحدة من أن إشعال فتيل المواجهة سيؤدي إلى إحراق المنطقة بأكملها. وفي هذا السياق، قالت صنم وكيل، رئيسة برنامج الشرق الأوسط في معهد تشاتام هاوس، إن تأكيد إيران على الاستعداد للمسارات الدبلوماسية يدل على سعيها لكسب الوقت ومنع وصول الأوضاع إلى نقطة اللاعودة، لكنها أضافت أن إيران ترى أن ما تريده واشنطن ليس التفاوض بل الخضوع.

وأضافت فايننشال تايمز أن انعدام الثقة العميق لدى المسؤولين الإيرانيين تجاه الولايات المتحدة ومقترحاتها لا يزال قائماً، لا سيما بعد الهجوم الذي تعرّضت له إيران في يونيو الماضي خلال محادثات وساطة جرت في عُمان بمشاركة إسرائيل والولايات المتحدة. كما أفادت قناة الحرة بأن دول الخليج تشعر بالقلق من أن تمتد نيران أي صراع محتمل إليها، معتبرة أنه رغم تصريحات ترامب، فإن هذه الدول ستكون من يدفع الثمن الحقيقي لحرب شاملة وطويلة الأمد.

وتشير مجمل هذه المعطيات إلى أن تجنّب مثل هذه السيناريوهات يتطلب ضبط النفس، والدبلوماسية، والاعتراف الجاد بالمخاطر المحدقة بالمنطقة. ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت العقلانية ستتغلب على منطق التصعيد، وهو أمر ستكشفه تطورات الأيام المقبلة في الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة