«نهاية عصر الهواتف الذكية؟»

خلال العقدين الماضيين تحوّل الهاتف الذكي إلى البوابة الرئيسية لدخول المستخدمين إلى العالم الرقمي، وأسّس واحداً من أكثر الاحتكارات ربحية في تاريخ الرأسمالية. فقد سيطرت آبل عبر الآيفون، وغوغل عبر أندرويد، ليس فقط على سوق الأجهزة، بل أيضاً على منظومات البرمجيات والبيانات والإعلانات. غير أنّ التسارع الكبير في مجال الذكاء الاصطناعي وظهور أدوات جديدة قائمة عليه أدخلا هذا النظام الراسخ في مرحلة من الشك وعدم اليقين.
التحدي اليوم لا يتمحور حول المنافسة على «أداة» جديدة بقدر ما هو صراع حول شكل التفاعل المستقبلي بين الإنسان والتكنولوجيا. فشركات مثل OpenAI وميتا وأمازون تسعى إلى تجاوز الوسيط التقليدي، أي شاشة الهاتف، ونقل التفاعل إلى أدوات أكثر خفاءً واستمراريةً واعتماداً على الذكاء الاصطناعي؛ من النظارات الذكية إلى المساعدات الصوتية الدائمة النشاط. وبحسب تعبير مجلة الإيكونوميست، فإن المنافسة الأساسية تدور حول من سيمتلك «المدخل الرئيسي» لوصول المستخدم إلى العالم الرقمي.
يأتي هذا الضغط في وقت يواجه فيه سوق الهواتف الذكية نفسه نقاط ضعف بنيوية. فالتراجع المتوقع في الإمدادات العالمية، وارتفاع تكاليف الذاكرة، والمنافسة الشديدة مع شرائح الذكاء الاصطناعي على طاقة مصانع أشباه الموصلات، كلها عوامل تضغط على هوامش أرباح مصنّعي الهواتف. وحتى آبل، المعروفة بربحيتها العالية، ليست بمنأى عن هذه القيود. وفي مثل هذا السياق، تتزايد الحوافز للبحث عن مسارات نمو بديلة.
وبالنسبة للمنافسين الجدد، لا تقتصر المسألة على بيع الأجهزة. إذ يقوم نموذج أعمال آبل وغوغل على ما يمكن تسميته «ضريبة المنظومة البيئية»، أي العمولات التي تُفرض على المطورين ومقدّمي الخدمات. أما شركات مثل OpenAI، التي تعتمد أساساً على اشتراكات المستخدمين، أو ميتا المعتمدة على الإعلانات، فلديها دافع قوي للابتعاد عن هذا النظام المكلف. إن نقل المستخدمين إلى أدوات تقع خارج السيطرة المباشرة لآبل وغوغل يمكن أن يقلل هذا الاعتماد، ويوجه البيانات والإيرادات مباشرة نحو المنافسين الجدد.
ومع ذلك، يبقى التهديد في الوقت الراهن محدوداً. فحجم مبيعات الآيفون وانتشار أندرويد لا يزالان بعيدين جداً عن السوق الناشئة للأدوات البديلة. يضاف إلى ذلك أن العوائق التقنية، ومخاوف الخصوصية، ومحدودية البطاريات ومشاكل الحرارة، كلها عوامل تبطئ تطوير النظارات الذكية والأجهزة القابلة للارتداء. كما أن التجارب الفاشلة السابقة تشير إلى أن الاستبدال الكامل للهاتف الذكي لن يكون سهلاً ولا سريعاً.
والأهم من ذلك أن آبل وغوغل نفسيهما لم تقفا مكتوفتي الأيدي. فالتكامل الأعمق للذكاء الاصطناعي في المساعدات الصوتية، وتطوير منصات الواقع المختلط، والدخول في شراكات استراتيجية، كلها دلائل على أن المحتكرين القدامى يعتزمون إعادة تعريف قواعد اللعبة لصالحهم. وربما لا تكون نتيجة عصر الذكاء الاصطناعي هي موت الهاتف الذكي، بل إعادة توزيع ميزان القوة داخل هذا الاحتكار نفسه؛ حيث يصبح التحكم في البيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي، أكثر من الأجهزة، هو العامل الحاسم في تحديد الفائز النهائي.




