مسارٌ ثُمانيّ نحو مؤشرات أداء الشرطة
إن الاعتماد على النماذج الفكرية القديمة يجعل من المستحيل تقديم خدمات ذات معنى وفعّالة وكفؤة للمجتمع في المستقبل. وقد ازدادت تعقيدات العمل الشرطي نتيجة العولمة، والتطور التكنولوجي، والقضايا الديموغرافية، والأزمة المالية العالمية.

الدكتور غلامحسين بياباني؛ أمين جمعية تنمية دراسات العلوم والابتكار التحقيقي في إيران
كما أن المجتمع الذي تتم حمايته يتغير، فإن العمل الشرطي يتغير هو الآخر، كما أن وتيرة هذه التغيرات تتسارع، وستكون هذه الحاجة في المستقبل أكبر من أي وقت مضى. لذلك،
وعلى الرغم من آثارها غير المرغوبة، توجد مبررات جدية للاعتقاد بأن استخدام مؤشرات الأداء لن يتراجع في المستقبل. فالتطورات التكنولوجية ستؤدي إلى ظهور برمجيات جديدة أكثر شمولاً من حيث البيانات المتاحة وسهولة الاستخدام.
ويجب أن يستمر هذا الضغط السياسي وما يترتب عليه من آثار تتعلق بالمساءلة الإدارية. وعليه، فإن التفكير في تحديات السنوات المقبلة يقتضي أخذ هذا الاتجاه في الاعتبار، والتفكير في كيفية التكيف من أجل تحسين جودة المنظمات الشرطية.
نستعرض هنا مقاربة تتكون من تسعة عناصر مختلفة. وتشمل تعريفاً واسعاً للأداء، ومعايير نوعية، وعمليات الأداء، وإضفاء المعنى، والمهنية، ونهجاً طويل الأمد، والمحلية، وحل المشكلات. وقد تم وصف كل عنصر منها بالتفصيل.
أولاً، يجب على الشرطة أن تتكيف مع تعريف أوسع للأداء، لا تعريفاً ضيقاً. فإذا كان فهمنا للأداء هو «النشاط الشرطي الجيد»، فإنه يتعين اعتماد مقاربة أكثر شمولية لكيفية تقييم الأداء. وعلى القيادات العليا في الشرطة، على وجه الخصوص، أن تحرص على التفكير في العمل الشرطي بصورة أوسع، وأن تأخذ في الاعتبار الآثار السلبية المحتملة لإدارة الأداء.
إن مقاربة العمل الشرطي من زاوية الشرعية تُعد متطلباً أساسياً. ولذلك، لا ينبغي أن تقتصر مؤشرات الأداء على الجرائم، ولا أن تكون داخلية للشرطة فقط. ولنتذكر، على سبيل المثال، أن معظم الدول لا تمتلك مؤشرات لرضا المستخدمين. يجب أن تتجاوز المؤشرات مجرد النشاط الشرطي المرتبط بالجرائم.
ثانياً، ينبغي على مديري الشرطة الاهتمام بالأبعاد النوعية أيضاً. فتعريف مفهوم الجودة أمر صعب، لكنه يشير إلى جوانب من النشاط لا يمكن بسهولة اختزالها إلى مؤشرات قابلة للقياس. خذ المثال التالي: قد يقوم ضابط شرطة بعدد كبير من عمليات التوقيف، لكن ذلك لا يقول شيئاً عن جودة هذه التوقيفات (مثل جودة التفاعل مع الشخص الموقوف، وما إلى ذلك).
وهذا يقودنا إلى القضية الضرورية الثالثة: «النتائج» (على سبيل المثال، المعرّفة من حيث انخفاض معدلات الجريمة) ليست، بهذا المعنى، مؤشرات مناسبة للأداء. فقد يحقق ضابط (أو منظمة) أهدافاً معينة بسبب الحظ فقط.
لذلك، يجب إيلاء العمليات أهمية إلى جانب النتائج. ما هي العمليات (من حيث التحليل، وتصميم الاستراتيجية، والتقييم، وغيرها) التي تُستخدم في مكان العمل للتعامل مع مشكلة محددة؟ يجب أن يُساءل ضباط الشرطة عن المخرجات لا عن النتائج، وعن جودة عملياتهم لا عن النتائج الخام.
رابعاً، إن البيانات الإحصائية بحد ذاتها لا تمنح معنى للنشاط الشرطي. ويتمثل دور المديرين على جميع مستويات التسلسل الهرمي في إضفاء معنى على أنشطة مرؤوسيهم. ولكي يكونوا قادة (بالمعنى الأوسع للكلمة)، يجب أن يكونوا قادرين على منح معنى (ضمن إطار العمل الشرطي) لما يقوم به مرؤوسوهم. تساعد البيانات على تسهيل التحليل ودعم الاستراتيجية، لكنها لا تمكّن الأفراد وحدها من بناء استراتيجية.
خامساً، تفترض النقاط السابقة أن الشرطة يجب أن تعمل على أساس الطابع المهني لمهمتها. فخطر الإدارة بالأرقام يؤدي إلى زيادة المركزية وسلب المسؤولية من الضباط.
يجب تحديد معايير مهنية (مرتبطة بالخصائص الشخصية، والقدرات، والمهارات الخاصة) تُمارَس ضمنها سلطة اتخاذ القرار. وينبغي أن تحظى معايير الممارسة المهنية بالأولوية على القيود التنظيمية.
سادساً، وبسبب تحوّل أنظمة البيانات، أصبحت هذه «الأرقام» (أي المؤشرات الكمية المتعلقة بمختلف جوانب النشاط الشرطي، مثل اتجاهات الجريمة، ومعدلات التوقيف، والموارد المتاحة، وغيرها) متاحة بشكل متزايد على المدى القصير.
وقد يقوم ضباط الشرطة على جميع مستويات التسلسل الهرمي بفحص «نتائجهم» يومياً، على الرغم من جميع الآثار السلبية المرتبطة بذلك. ويتعين على مديري الشرطة ومحللي البيانات تحليل اتجاهات الجريمة، وتحديد أهداف متوسطة الأجل، وحل المشكلات بشكل مستدام، ومقاومة إغراء النتائج قصيرة الأجل.
سابعاً، ينشأ الخطر المرتبط باستخدام مؤشرات الأداء عندما يتم التلاعب بالبيانات، أو تكون غير دقيقة، أو تقدم صورة زائفة عن الواقع. وكلما جرى إخراج البيانات من سياقها، زادت احتمالات إساءة تفسيرها.
يجب تفسير البيانات في سياقها الخاص. وقد تتجاهل الإدارة المركزية هذا التأطير الضروري. ويُعد السياق المحلي أمراً أساسياً لحل المشكلات الشرطية.
ثامناً، يتطلب حل المشكلات في كثير من الأحيان أنشطة متعددة الجهات. ويجب أن يتجنب استخدام مؤشرات الأداء انغلاق منظمة الشرطة على نفسها. وعلى مديري الشرطة التفكير في حدود مؤشراتهم الخاصة، والتفكير في مؤشرات مشتركة مع شركائهم. وبعبارة أخرى، لكي تقدم الشرطة خدمة أفضل، يجب أن تكون على درجة عالية من الوعي، وأن تقاوم إغراء مؤشرات الأداء السهلة القياس.
بشكل عام، تنطبق هذه المحاور بشكل خاص على الشرطة، حيث يؤدي التركيز على «ثقافة قائمة على النتائج» أو على «الأداء» إلى تعريف ضعيف لما ينبغي أن يكون عليه أداء الشرطة. غير أن لهذه المحاور نطاقاً أوسع. فمؤشرات الأداء هي وسيلة لخدمة العمل الشرطي وليست غاية في حد ذاتها. وينبغي أن توفر المعلومات، وتساعد في توضيح الاستراتيجيات، وتقيّم الإجراءات المتخذة.
«جميع البيروقراطيات تخاطر بأن تنشغل إلى حد كبير بإدارة المنظمات وبالإجراءات التشغيلية، لدرجة أنها تفقد القدرة على رؤية الأهداف الأصلية التي أُنشئت من أجلها. والشرطة معرضة لهذه الظاهرة بشكل غير اعتيادي». إن سهولة التلاعب بمؤشرات الأداء تؤدي إلى تبسيط مفرط للنشاط الشرطي.
إن التركيز على حل المشكلات، والنهج طويل الأمد، والمحلية، والممارسة المهنية، هي شروط أساسية للعمل الشرطي المعاصر السليم.

