أخبار العالم

عندما يصبح طعام الوجبات السريعة باهظ الثمن في أمريكا أيضًا

لطالما وُصِف الاقتصاد الأمريكي بمؤشرات مثل نمو الناتج المحلي الإجمالي، وصلابة سوق العمل، وازدهار الأسواق المالية. غير أن المؤشرات الحقيقية للوضع المعيشي لا تظهر أحيانًا في الأرقام الكلية، بل في السلوكيات اليومية للمستهلكين.

يُعدّ الانخفاض الملحوظ في الإقبال على مطاعم الوجبات السريعة خلال الأشهر الأخيرة أحد هذه المؤشرات؛ وهو ظاهرة تعكس تزايد الضغوط على الأسر ذات الدخل المنخفض وتعمّق الانقسام داخل الاقتصاد الأمريكي.

لطالما مثّلت الوجبات السريعة رمزًا لـ«الغذاء الرخيص والمتاح» للطبقات العاملة وذوي الدخل المحدود. لكن الارتفاع المستمر في الأسعار أضعف هذه الميزة التاريخية. وتشير بيانات مؤسسات بحثية إلى أن 9٪ فقط من علامات الوجبات السريعة شهدت نموًا في عدد الزبائن خلال العام الماضي، وهو أدنى مستوى بين جميع فئات المطاعم، بل وأقل من المطاعم الفاخرة. ويأتي ذلك في وقت ارتفعت فيه تكلفة تناول الطعام خارج المنزل بأكثر من 50٪ منذ عام 2015، بوتيرة أسرع من أسعار المواد الغذائية المنزلية.

ويُظهر تقرير تحليلي لصحيفة فايننشال تايمز أن هذا الضغط السعري غيّر مباشرة سلوك المستهلكين ذوي الدخل المنخفض؛ إذ ألغى كثير منهم الوجبات خارج المنزل أو خفّض استهلاكه إلى الحد الأدنى.

ويمثل هذا التحول تحديًا خطيرًا لصناعة يقوم نموذج أعمالها على «حجم مبيعات مرتفع وهوامش ربح منخفضة». فتراجع المبيعات، وإغلاق مئات الفروع، وانخفاض أسهم علامات مثل وينديز وبيتزا هت، كلها مؤشرات واضحة على هذه الأزمة.

غير أن جذور المشكلة لا تكمن في جانب الطلب فقط، بل في جانب العرض أيضًا. فقد ارتفعت تكاليف الإنتاج بشكل كبير؛ إذ زادت أجور العاملين، وبلغت أسعار اللحوم الحمراء مستويات قياسية، كما فرضت قوانين الحد الأدنى للأجور الجديدة في ولايات مثل كاليفورنيا ضغوطًا إضافية على هوامش الربح. وهذه الصناعة التي اعتادت ضبط التكاليف عبر تبسيط القوائم وخطوط الإنتاج الصناعية، تواجه اليوم نقصًا في العمالة وارتفاعًا حادًا في أسعار المواد الأولية.

والأهم من ذلك هو الدلالة الكلية لهذه التطورات على الاقتصاد الأمريكي. ففي فترات الركود السابقة، كان المستهلكون ذوو الدخل المرتفع يعوضون جزءًا من تراجع الطلب عبر «خفض مستوى الاستهلاك» من المطاعم الفاخرة إلى الوجبات السريعة. غير أن هذا النمط لا يبدو واضحًا هذه المرة.

في المقابل، حققت المطاعم الفاخرة أداءً أفضل، لأن العملاء الأثرياء ما زالوا يستفيدون من نمو أسواق الأسهم والأصول المالية. ويعكس هذا التباين صورة اقتصاد منقسم: قطاع مرتبط بالأثرياء لا يزال مزدهرًا، بينما تعاني الأعمال المعتمدة على الطبقات الدنيا من الركود.

في هذا السياق، لا يُعدّ تراجع الوجبات السريعة قصة قطاعية فحسب، بل إشارة تحذيرية إلى تآكل القدرة الشرائية، واتساع فجوة عدم المساواة، وهشاشة الطلب الاستهلاكي في الطبقات الدنيا من المجتمع الأمريكي.

وإذا ضعف سوق العمل أو استمرت الصدمات السعرية، فقد تتحول هذه المؤشرات الجزئية إلى أزمات كلية أوسع في النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي؛ أزمات قد تتأخر عن الظهور في الإحصاءات، لكنها تظهر في حياة الناس اليومية أسرع مما هو متوقع.

مقالات ذات صلة