أخبار العالم

37 ألف دولار لمغادرة السويد بشكل دائم!

 

أفادت وكالة «صدای سما» الإخبارية بأن نموذج الرفاهية في دول الشمال الأوروبي لطالما استند إلى معادلة حساسة وهشة: «ضرائب مرتفعة على القوى العاملة النشطة مقابل تقديم خدمات مجانية وسخية من المهد إلى اللحد». وظلت هذه الآلية مستقرة ما دام الغالبية الساحقة من سكان البلاد من دافعي الضرائب النشطين في سوق العمل.

إلا أن وصول موجات كبيرة من طالبي اللجوء غير المهرة خلال العقود الأخيرة أخلّ بهذا التوازن في ستوكهولم. ولذلك، اتخذت الحكومة الائتلافية السويدية حالياً نهجاً قائماً على الربح والحسابات الاقتصادية تجاه ملف الهجرة، وأقدمت على قرار يبدو غريباً للوهلة الأولى: دفع 350 ألف كرونة سويدية، أي نحو 37 ألف دولار نقداً، لكل شخص بالغ مقابل المغادرة الدائمة. ومن منظور الاقتصاد السياسي، لا يمثل هذا الإجراء موقفاً عاطفياً، بل هو «استثمار عكسي» لتجنب ارتفاع تكاليف خدمات الرعاية الاجتماعية مستقبلاً.

تقاطع الضرائب والرفاهية؛ توازن سلبي في الحسابات الوطنية

السبب الرئيسي وراء هذا التحول الاقتصادي في السويد هو الفجوة المالية المتزايدة التي يفرضها طالبو اللجوء غير المتخصصين على الميزانية العامة. ووفقاً للوثائق الرسمية للحكومة، فإن معدل البطالة الهيكلية بين المهاجرين من خارج الاتحاد الأوروبي في السويد أعلى بعدة مرات من المعدل بين السكان الأصليين والمواطنين الأوروبيين.

وفي ظل عدم دخول هذه الفئة إلى سوق العمل الرسمي، تتعرض الخزانة العامة لضربتين متزامنتين: الأولى عدم تحقق الإيرادات الضريبية المتوقعة، والثانية العبء الكبير الناجم عن دفع إعانات السكن، وخدمات الرعاية الصحية المجانية، ومخصصات معيشة الأسر، وتكاليف تعليم اللغة والاندماج.

ويرى محللون اقتصاديون أن الحسابات وراء هذا القرار بسيطة: فتکلفة الخدمات الاجتماعية والصحية والدعم الحكومي لمهاجر عاطل عن العمل أو منخفض الدخل على مدى 10 إلى 20 عاماً قد تستنزف مئات آلاف الدولارات من الميزانية العامة. وبالتالي، فإن دفع 37 ألف دولار لمرة واحدة مقابل مغادرته بشكل دائم يحقق «صافي ربح طويل الأجل» لصناديق الرعاية الاجتماعية السويدية، ويعفي دافعي الضرائب من الالتزامات المالية المستقبلية.

اقتصاد الجريمة وتكلفة عدم الاستقرار الأمني

يتعلق الجانب الآخر من التقييم الاقتصادي للحكومة السويدية بالتكاليف الباهظة للعنف الحضري وانعدام الأمن. فقد ألحق النمو السريع لعصابات التهريب المنظمة في أطراف المدن الكبرى أضراراً مالية كبيرة بالبنية التحتية وسوق الإسكان والاستثمارات الأجنبية. ومن جهة أخرى، أدت التكاليف المرتفعة للقضاء وتوسيع السجون وتعزيز الشرطة والأضرار الناجمة عن الانفجارات وإطلاق النار إلى وضع الميزانية الإدارية للسويد تحت ضغط غير مسبوق.

وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن مصلحة الهجرة السويدية إلى أن الحكومة السويدية، من خلال تعديل اللوائح التنفيذية، رفعت حافز العودة الطوعية من المبالغ المتواضعة التي كانت تبلغ بضع مئات من الدولارات في السابق إلى مكافأة قدرها 37 ألف دولار، بهدف جعل الجاذبية المالية للمغادرة متناسبة مع التوازن الاقتصادي للمهاجرين المهمشين.

ومن منظور منطق السوق، فإن الحكومة السويدية، من خلال هذه المكافأة الكبيرة، تقدم فعلياً للمهاجرين الذين لم يندمجوا في الهيكل الاقتصادي للمجتمع «رأس مال أولياً للتقاعد أو ريادة الأعمال» في بلدهم الأصلي، بهدف تحييد الحافز المالي للبقاء على هامش الاقتصاد السويدي.

شرط الاكتفاء المالي الذاتي؛ إغلاق أبواب نظام الرفاه

لا تقتصر الحسابات الاقتصادية في ستوكهولم على هذا الحافز المالي؛ فالحكومة، بالتزامن مع منح مكافأة المغادرة، أغلقت أيضاً مدخل نظام دولة الرفاه. ووفقاً لتقرير جديد صادر عن مصلحة الهجرة السويدية، تغير شرط الحصول على الجنسية اعتباراً من يونيو 2026 ليصبح إثبات «الاكتفاء المالي الكامل». ويتعين على المتقدم إثبات عدم اعتماده على أي مساعدات حكومية، وأن لديه دخلاً مستمراً لا يقل عن 20 ألف كرونة شهرياً.

ويظهر هذا القانون الجديد أن السويد لم تعد مستعدة لمنح الجنسية للأشخاص الذين يُنظر إليهم على أنهم عبء مالي على نظام الرعاية الاجتماعية. ووفقاً لدراسة أجرتها الدائرة القانونية في مكتبة الكونغرس الأمريكي، فإن شرط القدرة المالية، إلى جانب إلزامية اختبارات اللغة والمعرفة المدنية، يشكل مرشحاً قوياً بحيث لا يتمكن من الاستمرار في مسار المواطنة إلا الأشخاص المنتجون ودافعو الضرائب.

المخاطر الاقتصادية؛ خطر نقص العمالة وضعف الإقبال

رغم كل هذه الحسابات النظرية، فإن السياسة الاقتصادية لستوكهولم لا تخلو من مخاطر كبيرة. أولاً، يشير العدد المنخفض البالغ 171 متقدماً إلى أن القيمة العاطفية والأمنية للحياة في السويد تُقدّر بأعلى بكثير من مبلغ 37 ألف دولار، وبالتالي فقد فشل البرنامج في جذب إقبال واسع.

ثانياً، يعتمد الاقتصاد السويدي، بسبب شيخوخة السكان، بشكل كبير على العمالة المساعدة في قطاعات الخدمات ورعاية المسنين والنقل. وقد يؤدي خلق بيئة مناهضة للهجرة وإبعاد العمال من خلال الحوافز المالية إلى معالجة عجز ميزانية الرعاية الاجتماعية على المدى القصير، لكنه قد يؤدي على المدى المتوسط إلى مواجهة القطاعات الرئيسية للخدمات في البلاد أزمة حادة في نقص العمالة وارتفاع تكاليف الإنتاج.

وعليه، يمكن القول إن سياسة دفع مكافأة قدرها 37 ألف دولار لمغادرة المهاجرين السويد تمثل أوضح مواجهة من جانب حكومة أوروبية مع القيود المادية لـ«دولة الرفاه». فقد أثبتت ستوكهولم، بعد سنوات من التجربة، أن أنظمة الرعاية الاجتماعية السخية لا تستطيع في الوقت نفسه تحمل سياسات الهجرة المفتوحة وانخفاض معدلات قابلية التوظيف غير المتجانسة.

وعلى الرغم من أن هذا البرنامج الاقتصادي لم يحقق عائداً مرتفعاً عملياً بسبب ضعف الإقبال عليه، فإنه يبعث برسالة واضحة إلى العالم: لقد انتهى في السويد عصر الدعم المالي من دون عائد اقتصادي، وسيتم تقييم كل مهاجر في الميزانية العمومية لستوكهولم قبل النظر إليه بوصفه طالب لجوء.

— إيبنا

مقالات ذات صلة