البنك المركزي الإسرائيلي بين ضغوط الانتخابات والتحديات الاقتصادية

وفقاً لوكالة أنباء «صداي سما»
تتأثر الحملة الانتخابية في إسرائيل، قبيل التصويت المقرر في 27 أكتوبر 2026، بالتوترات الاقتصادية العميقة أكثر من أي وقت مضى. فعلى الرغم من أن المؤشرات الاقتصادية العامة تبدو إيجابية للوهلة الأولى، تكشف التقييمات المتخصصة عن فجوة متزايدة بين الأرقام الاقتصادية الكلية والواقع المعيشي للناخبين.
وتشير شبكة الجزيرة إلى أن بنيامين نتنياهو، الذي هيمن لسنوات طويلة على السياسات الخارجية والأمنية لتل أبيب، يواجه اليوم تحديات مالية متفاقمة وتكاليف باهظة للحرب، فيما تستغل المعارضة هذه الضغوط لانتقاد سجله الاقتصادي.
نمو اقتصادي ملحوظ في ظل الحرب
يواصل الاقتصاد الإسرائيلي النمو رغم تجاوز التكاليف المباشرة للحرب 405 مليارات شيكل، أي نحو 133 مليار دولار، وفقاً لتقديرات البنك المركزي. وقد نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.2% في النصف الأول من عام 2026، بينما يتوقع صندوق النقد الدولي نمواً بنحو 4.5% خلال العام بأكمله. كما وصلت الاستثمارات الأجنبية في قطاع التكنولوجيا إلى مستويات قياسية.
لكن وراء هذه المؤشرات الإيجابية، يُوجَّه جزء كبير من عائدات النمو إلى المؤسسات العسكرية، الأمر الذي يفاقم الفجوة الاجتماعية. وقدّر البنك المركزي التكاليف المباشرة وغير المباشرة للحرب بأكثر من 405 مليارات شيكل، محذراً من أن بعض هذه التكاليف لا تزال في مراحلها الأولى. ويبرز هنا سؤال أساسي: هل يستطيع النمو الاقتصادي تخفيف أعباء الحرب عن الناخبين؟
يتزايد الاستياء الشعبي من ارتفاع تكاليف المعيشة، فيما يضغط التضخم وارتفاع أسعار المساكن بشدة على الطبقة المتوسطة، ما قد يجعل الأوضاع الاقتصادية عاملاً حاسماً في الانتخابات.
عجز الموازنة والتخفيضات في الإنفاق الاجتماعي
أقرت حكومة نتنياهو خفضاً بنسبة 4.9% في ميزانيات الوزارات المدنية، بقيمة 2.6 مليار شيكل، للمساهمة في تمويل الإنفاق العسكري وتقليص عجز الموازنة. وطالت التخفيضات قطاعات التعليم والرعاية الاجتماعية، في حين بقيت المخصصات المالية للائتلاف الحاكم، بحسب التقارير، دون تغيير.
ومن المتوقع أن يصل عجز الموازنة الإسرائيلية إلى 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، ما أثار مخاوف الاقتصاديين. كما تؤدي النفقات العسكرية المستمرة وشراء المعدات من الخارج إلى زيادة الدين العام. ووفقاً لصحيفة «غلوبس»، يعود التقدم الأخير في تقليص العجز أساساً إلى زيادة الإيرادات الضريبية، لا إلى إصلاحات هيكلية في الإنفاق العسكري.
ويرى منتقدون أن تكاليف الحرب تُحمَّل بصورة متزايدة للطبقة المتوسطة والعاملين من خلال خفض الإنفاق على التعليم والرعاية الاجتماعية، بينما تبقى مخصصات الائتلاف الحاكم محمية. وقد أصبحت هذه القضية محوراً رئيسياً في انتقادات المعارضة قبيل الانتخابات.
الأسواق المالية: فجوة بين المظاهر والواقع
تشهد الأسواق المالية الإسرائيلية مفارقة لافتة؛ فقد سجل مؤشر «TA-35» في بورصة تل أبيب والشيكل أداءً قوياً بدعم من الاستثمارات الأجنبية وصمود قطاع التكنولوجيا. كما تعززت قيمة الشيكل أمام الدولار، وبلغت مؤشرات الأسهم مستويات قياسية.
لكن هذه المكاسب لم تبدد المخاوف بشأن التضخم وصعوبة الحصول على مساكن بأسعار مناسبة. فقد وصلت أسعار المنازل والإيجارات إلى مستويات قياسية، ما أضعف القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة. ويحذر اقتصاديون من أن إعطاء الأولوية للإنفاق العسكري قد يترك إسرائيل أمام مشكلات هيكلية طويلة الأجل وديون متزايدة.
ورغم توقع صندوق النقد الدولي نمواً اقتصادياً بنسبة 4.5%، يرى منتقدون أن هذه الأرقام قد تخفي نقاط ضعف أساسية، من بينها الاعتماد على الاستثمارات التكنولوجية والأسواق المالية، الأمر الذي يجعل الاقتصاد عرضة للصدمات الخارجية والتقلبات الأمنية.
وبذلك، أصبحت المؤشرات المالية محوراً أساسياً في المنافسة السياسية؛ فبينما يعتبرها بعض المحللين دليلاً على متانة الاقتصاد، تركز المعارضة على اتساع الفجوة بين أداء الأسواق ومستوى معيشة المواطنين.
سياسة البنك المركزي خلال الحملة الانتخابية
وفقاً لرويترز، قرر بنك إسرائيل تعليق خفض أسعار الفائدة قبيل انتخابات 27 أكتوبر، لتجنب تأثير القرارات النقدية على الحملة الانتخابية. ويرى محللون أن أي تغيير في أسعار الفائدة خلال هذه الفترة قد تستغله إحدى الجهات السياسية لمصلحتها.
وبينما اعتبر البعض هذا التوقف مؤشراً على الاستقلال النسبي للبنك المركزي عن الائتلاف الحاكم، يرى آخرون أن السياسة النقدية يجب أن تستند إلى الظروف الاقتصادية، لا إلى التوقيت السياسي. وفي الوقت نفسه، يتزايد الاستياء الشعبي من السياسات العسكرية والاقتصادية للحكومة رغم محاولاتها إبراز مؤشرات النمو.
كما يشكل الدين العام، الذي تقدره بعض المصادر بنحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي، تحدياً كبيراً للحكومة المقبلة. وقد قدم مرشحو المعارضة وعوداً اقتصادية أكثر جاذبية، لكن الشكوك لا تزال قائمة بشأن إمكانية تنفيذها في ظل القيود المالية التي فرضتها الحرب.
وهكذا، تقف السياسة الاقتصادية الإسرائيلية عند مفترق انتخابي حاسم، قد تحدد القرارات المتخذة فيه المسار الاقتصادي للبلاد خلال السنوات المقبلة.
المصدر: وكالة أنباء IBNA




