من المستفيد الأكبر من ارتفاع أسعار النفط؟…

✍️ أميرحسين خدائي، باحث
لفهم الدولة التي تستفيد من ارتفاع أسعار النفط، يجب أولاً معرفة الدولة التي تنتج أكبر كمية من النفط والمنتجات النفطية في العالم.
وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تُعد الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط الخام في العالم. وبلغ إنتاجها من النفط الخام نحو 13.5 مليون برميل يومياً في عام 2025، أي ما يقارب سدس إجمالي النفط المنتج عالمياً. ومن المتوقع أن يقترب هذا الرقم من 14 مليون برميل يومياً في عام 2026.
لكن إنتاج النفط الخام ليس سوى جزء من القصة. فالقيمة الحقيقية تكمن في تكرير النفط وتحويله إلى البنزين والديزل ووقود الطائرات. وتمتلك الولايات المتحدة طاقة تكريرية تبلغ نحو 18 مليون برميل يومياً. وعندما تتعرض الأسواق العالمية للتوتر، تصل هوامش أرباح المصافي الأمريكية إلى مستويات غير مسبوقة. وفي الربع الثاني من عام 2026، حققت ثلاث شركات تكرير أمريكية كبرى، هي ماراثون وفاليرو وفيليبس 66، أرباحاً إجمالية بلغت نحو 12.5 مليار دولار.
الحلقة التالية هي صناعة البتروكيماويات. فالولايات المتحدة هي أكبر منتج للمنتجات البتروكيماوية في العالم. وتُعد شركات مثل إكسون موبيل وداو كيميكال من أكبر منتجي المواد الكيميائية والبلاستيك في العالم. فهي تشتري النفط الخام أو تستخرجه، ثم تكرره وتحوله إلى منتجات تبلغ قيمتها عدة أضعاف قيمة النفط الخام.
وأخيراً، هناك النقطة التي تربط كل هذه الحلقات ببعضها. يتم تداول النفط والمنتجات النفطية عالمياً بشكل رئيسي بالدولار الأمريكي. ونحو 80 بالمئة من المعاملات النفطية العالمية تتم بالدولار. وهذا يعني أن كل برميل نفط يتم شراؤه وبيعه في أي مكان في العالم يجب أن يمر عبر القنوات المصرفية الأمريكية، مما يزيد الطلب على الدولار.
في ظل هذا الهيكل من الإنتاج والتجارة، هل ارتفاع أسعار النفط يصب في مصلحة الحكومة الأمريكية أم يضر بها؟
عندما ترتفع أسعار النفط، تستفيد الحكومة الأمريكية من عدة قنوات في الوقت نفسه. فمنتجو النفط الأمريكيون، الذين تتراوح نقطة التعادل لديهم بين 63 و69 دولاراً، يحققون أرباحاً ضخمة عندما تتجاوز الأسعار 80 دولاراً وتصل الآن إلى 100 دولار. كما تعمل المصافي الأمريكية بالقرب من كامل طاقتها، وتتضاعف هوامش أرباحها عدة مرات. وتحصل مصانع البتروكيماويات على مواد أولية أرخص وأسواق عالمية أكبر.
ومن جهة أخرى، عندما تؤدي التوترات السياسية إلى تعطيل إمدادات النفط من دول مثل روسيا أو إيران، تفرغ الأسواق التصديرية من المنافسين، وتملأ الولايات المتحدة هذا الفراغ. وقد ارتفعت صادرات النفط الأمريكية من نحو 6.5 مليون برميل يومياً في عام 2025 إلى أكثر من 10 ملايين برميل يومياً.
لكن الجزء الأهم من القصة هو أن ارتفاع أسعار النفط يؤدي إلى زيادة الطلب العالمي على الدولار، لأن النفط يتم تداوله بالدولار. وكل دولار إضافي يُدفع لشراء النفط يجب أن يمر عبر النظام المصرفي الأمريكي. وهذا يعني أن الولايات المتحدة تستطيع طباعة الدولار دون غطاء مادي، بينما يضطر العالم إلى زيادة الطلب عليه لشراء الطاقة.
وتبلغ ديون الولايات المتحدة نحو 40 تريليون دولار، وقد ارتفعت هذه الديون بنحو 2.5 تريليون دولار خلال عام واحد. وفي مثل هذه الظروف، يسمح ارتفاع الطلب العالمي على الدولار للولايات المتحدة بإدارة ديونها الهائلة دون انهيار قيمة عملتها. وبعبارة بسيطة، تتحول كل أزمة نفطية عالمية إلى فرصة مالية للخزانة الأمريكية.
إذا قبلنا بأن هيكل سوق الطاقة العالمي الحالي يعمل لصالح الولايات المتحدة، فعلينا البحث عن طرق لتغيير هذا الهيكل. وهناك مساران رئيسيان.
الأول هو التخلي التدريجي عن الدولار في معاملات النفط. وقد بدأت هذه العملية بالفعل. فمجموعة بريكس، التي تضم 15 دولة تمثل 40 بالمئة من سكان العالم و30 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، تعمل على نظام مالي بديل. وفي النصف الأول من عام 2025، بلغ حجم التجارة بين دول بريكس بعملاتها الوطنية 5.6 تريليون دولار، بزيادة 45 بالمئة عن العام السابق. وفي عام 2025، انتهى الاتفاق النفطي الممتد لخمسين عاماً بين الولايات المتحدة والسعودية من دون تمديد، وأعلنت السعودية استعدادها لاستخدام عدة عملات في معاملات النفط. وتجاوزت حصة اليوان في معاملات النفط بين السعودية والصين 45 بالمئة. كما أعلنت منظمة شنغهاي للتعاون أن معظم معاملات الطاقة بين أعضائها تتم بالعملات الوطنية. وهذا يعني أن الدول تستطيع شراء النفط وبيعه من دون الحاجة إلى المرور عبر النظام المصرفي الأمريكي.
أما المسار الثاني فهو تشكيل تحالفات استراتيجية بين الدول التي لديها مصالح مشتركة في تغيير الوضع القائم. فالتحالفات الحالية مثل أوبك وأوبك+ تخدم بصورة أساسية منتجي النفط الخام، وليس الدول التي تسعى إلى السيطرة على سلسلة القيمة الكاملة للنفط والبتروكيماويات. والدول التي تمتلك النفط والمصافي وصناعة البتروكيماويات لديها مصلحة في التحالف مع بعضها. ويمكن لإيران وروسيا والصين واليمن والعراق والسعودية والإمارات والهند وغيرها من الدول المستقلة تشكيل سلسلة قيمة مشتركة. ومن استخراج النفط إلى تكريره وإنتاج البتروكيماويات وبيع المنتجات النهائية، يمكن تنفيذ كل ذلك ضمن شبكة من التعاون المشترك. وإذا حدث ذلك، فلن تكون الولايات المتحدة اللاعب المهيمن الوحيد في جميع حلقات هذه السلسلة.
لكن المهم هو أن هذه التغييرات وحدها ليست كافية. فما دامت البنوك وشركات التأمين وأنظمة الدفع الدولية لا تزال خاضعة إلى حد كبير لسيطرة الولايات المتحدة وحلفائها، فإن أي محاولة للتخلص من هيمنة الدولار ستواجه عقبات كبيرة. فالدول التي تبيع نفطها باليوان أو الروبل لا تزال تعتمد على النظام القائم على الدولار في الاستثمار والتأمين والنقل. ويجب تفكيك حلقات هذا الاعتماد تدريجياً.
ولكن إذا تم بناء مصافٍ مشتركة، وإنشاء بنوك تنمية مشتركة، وإطلاق نظام دفع مستقل عن سويفت، وتأسيس صناديق استثمار مشتركة لاستكمال سلسلة القيمة في هذه الدول، فعندها يمكن الأمل في أن تذهب الأرباح الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط إلى شعوب الدول المالكة لهذه الموارد، بدلاً من خزينة الولايات المتحدة.
الخلاصة النهائية
الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم التي تجمع في الوقت نفسه بين كونها أكبر منتج للنفط، وأكبر دولة في مجال التكرير، وأكبر منتج للبتروكيماويات، وصاحبة العملة الرئيسية المستخدمة في معاملات النفط العالمية. وهذا المزيج الفريد يجعل كل أزمة تهدد إمدادات النفط العالمية فرصة اقتصادية للولايات المتحدة. لكن هذا الوضع ليس أبدياً. ويُعد التخلص التدريجي من الدولار في معاملات النفط وتشكيل تحالفات استراتيجية بين الدول المستقلة مسارين يمكنهما تغيير هذا الهيكل تدريجياً.
ومع ديون تتجاوز 40 تريليون دولار، أصبحت الولايات المتحدة أكثر اعتماداً من أي وقت مضى على الطلب العالمي على الدولار. وأي ضربة لهذا الاعتماد تمثل ضربة لقدرة الولايات المتحدة على إدارة ديونها. وهذا يعني أن الدول التي لديها خصم مشترك، إذا اتحدت وبنت نظاماً مالياً وتجارياً بديلاً، يمكنها استعادة حصتها من هذا السوق الضخم.




