تطوير شركات الطيران والشحن الجوي في ظل العقوبات: بناء الشبكات، وتوحيد المعايير، وتعزيز المشاركة المجتمعية في صناعة الطيران

أمير حسين خدائي – باحث
تعزيز القدرات في ظل ظروف القيود
تطوير صناعة الطيران الإيرانية في ظل العقوبات
في ظل العقوبات، ينبغي ألا يقتصر تطوير صناعة الطيران في إيران على شراء الطائرات وامتلاكها، بل يجب أن يركز على زيادة القدرة الفعلية للنقل الجوي والخدمات المساندة. ويهدف هذا النهج إلى تعزيز قدرة القطاع على الصمود من خلال إنشاء شبكة من الشركات الصغيرة والمتخصصة والإقليمية والمجتمعية والمدعومة من الجامعات.
ويتمثل الهدف الرئيس في تعزيز قدرات نقل الركاب والبضائع، وخدمات الصيانة، والتدريب، والخدمات الأرضية، وإدارة الأسطول، والربط اللوجستي. وحتى الشركات التي لا تمتلك طائرات يمكنها أن تؤدي دورًا مهمًا من خلال إدارة المسارات والخدمات وعمليات الشحن وربط الأسواق.
ولزيادة الطاقة التشغيلية، يقترح النص مجموعة من الإجراءات، منها: الاستئجار طويل الأجل للطائرات، والاستئجار مع خدمات الدعم، والمشاركة في ملكية الأسطول، والاستفادة من شركات إدارة الأساطيل، وإعادة الطائرات المتوقفة إلى الخدمة، وتحويل الطائرات المناسبة إلى طائرات شحن، وتطوير شركات الطيران الإقليمية وشركات الشحن الجوي، والتعاون مع الإيرانيين المقيمين في الخارج، وإنشاء تعاونيات لوجستية جوية، وجذب رؤوس الأموال الصغيرة.
ومن بين الحلول المقترحة أيضًا التعاون مع شركات مسجلة في دول مختلفة لإدارة أجزاء من سلسلة خدمات الطيران، مثل الشحن الجوي، وإدارة الرحلات، والخدمات الفنية، والتدريب، وتوفير قطع الغيار، ودعم الأسطول. وينبغي أن يتم هذا التعاون في إطار من الشفافية القانونية، والالتزام بالأنظمة، وإدارة المخاطر، مع الاستفادة من الشراكات الإقليمية، والقطاع الخاص، وخبرات الإيرانيين المقيمين خارج البلاد. ويمكن لدول مثل العراق، وسلطنة عُمان، وقطر، وتركيا، وأرمينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، وطاجيكستان، وروسيا، والصين، والهند، وماليزيا، وإندونيسيا، إضافة إلى بعض الدول الإفريقية وأمريكا اللاتينية، أن تشكل منصات مناسبة لهذا التعاون.
كما يمكن للشركات الإيرانية والمديرين الإيرانيين العاملين في قطاع النقل واللوجستيات العالمي أن يسهموا في الاستثمار، ونقل الخبرات الإدارية، وتدريب الكوادر المتخصصة، وتطوير الأسواق التصديرية، وتصميم أنظمة إدارة الشحن والرحلات، ونقل التقنيات الإدارية، والمشاركة في مراكز الصيانة والتدريب والشحن الجوي.
ويقترح النص أيضًا إنشاء المنتدى الدولي للإيرانيين العاملين في اللوجستيات والطيران، بهدف إعداد قاعدة بيانات للشركات والمديرين والمستثمرين والخبراء الإيرانيين، وتهيئة الظروف المناسبة للاستثمار، وتقديم الاستشارات، ونقل الخبرات إلى قطاع الطيران الإيراني.
تطوير شركات الطيران المتخصصة والشحن الجوي
لتطوير قطاع النقل الجوي، يُعد إنشاء شركات طيران صغيرة، مرنة ومتخصصة، بدلاً من التركيز فقط على شركات الطيران الكبرى، خيارًا أكثر ملاءمة. فمن خلال أساطيل محدودة، ومسارات محددة، وهيكل تكاليف منخفض، تستطيع هذه الشركات زيادة القدرة التشغيلية لقطاع الطيران.
وتؤدي شركات الطيران الإقليمية دورًا مهمًا في تحقيق التنمية الإقليمية المتوازنة، من خلال ربط المدن المتوسطة والمحافظات الأقل حظًا بالمراكز الرئيسة، وتنشيط المطارات شبه المستغلة، وتقليل الاعتماد على النقل البري، ودعم السياحة والخدمات العلاجية والتجارة الإقليمية.
كما يمكن لشركات الطيران المتخصصة في الرحلات الدينية، والسياحة العلاجية، والسياحة العامة أن تركز على أسواق محددة، مثل رحلات الزيارة الدينية، والسياحة الصحية، والمعارض، بما يتيح لها تلبية الطلب المستهدف بدلاً من المنافسة الشاملة في جميع الأسواق.
وتستطيع شركات الطيران منخفضة التكلفة تنشيط جزء من الطلب على السفر من خلال خفض التكاليف عبر تحسين الإدارة، واستخدام التقنيات الحديثة، والبيع الرقمي، وزيادة كفاءة تشغيل الأسطول، مع التأكيد على أن خفض التكاليف يجب ألا يكون على حساب السلامة أو المعايير الفنية.
كما ينبغي لشركات الطيران العارض (الشارتر) المتخصصة أن تتعاون مع الفنادق، والمستشفيات، وشركات السياحة، ومنظمي المعارض، والمراكز الدينية لتصميم باقات متكاملة للسفر الجوي، وأن تعمل وفق مبادئ الشفافية، والمساءلة، والتصنيف، والارتباط بأنظمة الرقابة.
وفي ظل ظروف الحرب اللوجستية، يُعد تطوير الشحن الجوي من الأولويات الاستراتيجية لقطاع الطيران الإيراني، نظرًا لدوره المباشر في الصادرات، واستيراد السلع الأساسية، والأدوية، والمعدات الطبية، والقطع الصناعية، والمنتجات الزراعية، والتجارة الإلكترونية، والبريد السريع، والبضائع العاجلة. ولذلك، ينبغي إنشاء شركات متخصصة في الشحن الجوي وفقًا لنوع البضائع، والمسارات، ومواعيد التسليم، واحتياجات السوق. ويتميز الشحن الجوي بمرونة أكبر من نقل الركاب، مما يسمح له بالارتباط بسرعة أكبر بالتجارة الخارجية، والصادرات، والعائدات من العملات الأجنبية.
كما أن شركات الشحن الجوي ليست جميعها بحاجة إلى امتلاك طائرات؛ إذ يمكن لبعضها أن تتولى إدارة سلسلة الإمداد، من استلام البضائع في مواقع الإنتاج وحتى تسليمها في وجهتها النهائية، وربط النقل الجوي بشبكات السكك الحديدية، والطرق، والموانئ، والمناطق الحرة، والمناطق الصناعية، ومحطات التصدير. ويمكن لهذه الشركات المتكاملة أن تشكل حلقة وصل بين المنتجين الإيرانيين والأسواق الخارجية.
ويؤكد النص كذلك أهمية تطوير الشحن الجوي في المطارات غير المركزية، بحيث تتحول المطارات الإقليمية إلى مراكز متخصصة للشحن وفقًا لمزاياها النسبية، سواء في تصدير المنتجات الزراعية، أو نقل المنتجات الصناعية، أو التجارة الحدودية، أو النقل البحري–الجوي المشترك، أو الخدمات المرتبطة بالمطارات الدينية. ومن شأن هذه السياسة أن تعزز التنمية الإقليمية المتوازنة وتخفف الضغط عن المطارات المركزية.
تعزيز قطاع الطيران من خلال إعادة الطائرات إلى الخدمة، والمشاركة المجتمعية، ومعايير الجودة
تتمثل إحدى القدرات المهمة غير المستغلة في قطاع الطيران في إعادة الطائرات المتوقفة عن الخدمة إلى التشغيل. فقد خرج عدد من الطائرات من الخدمة بسبب نقص قطع الغيار، أو مشكلات الصيانة، أو ضعف الإدارة، أو النزاعات المتعلقة بالملكية، أو غياب الجدوى الاقتصادية. وللتعامل مع ذلك، يقترح النص إطلاق برنامج وطني لإعادة الأسطول المتوقف إلى الخدمة، يشمل إجراء تقييمات فنية، وتقدير التكاليف، وتحديد الأولويات الاقتصادية، وتأمين قطع الغيار، وإصلاح هياكل الملكية أو التشغيل، وإسناد التشغيل إلى شركات كفؤة، مع ضمان الرقابة الكاملة على السلامة، بهدف زيادة القدرة التشغيلية للطيران دون الحاجة إلى شراء طائرات جديدة بصورة فورية.
كما يؤكد النص أهمية توسيع المشاركة المجتمعية في صناعة الطيران من خلال إشراك المواطنين، والتعاونيات، والصناعات الصغيرة، والشركات القائمة على المعرفة، والورش الفنية، والجامعات. وينبغي أن تتم هذه المشاركة عبر آليات مهنية وشفافة في مشاريع مثل مرافق التبريد في المطارات، ومحطات الشحن، ومعدات مناولة البضائع، ومراكز التعبئة المخصصة للتصدير، وأنظمة تتبع الشحنات، ومراكز التدريب، وأجهزة المحاكاة، وصيانة المعدات الأرضية، وشركات الشحن الجوي المتخصصة، وتمويل برامج إعادة الطائرات المتوقفة إلى الخدمة.
ويقترح النص كذلك إنشاء مؤسسات وتعاونيات للوجستيات الجوية في المحافظات التي تمتلك قدرات مطارية، بمشاركة المنتجين، والمصدرين، وشركات النقل، والشركات المعرفية، والجامعات، وصغار المستثمرين، وشركات البريد، وغرف التجارة، والعاملين في التجارة الإلكترونية، للعمل في مجالات التعبئة، وسلاسل التبريد، ونقل البضائع، والتخزين، والخدمات التصديرية، وتسويق السعات المخصصة للشحن، وحتى تأجير الطائرات.
ولضمان جودة هذه التعاونيات واحترافيتها، ينبغي أن تؤدي الجامعات دورًا محوريًا في التعليم، ووضع المعايير، وتصميم نماذج الأعمال، وتقييم المخاطر، وإعداد الكوادر الإدارية، بما يجعلها المرجعية العلمية لهذا النموذج.
كما يؤكد النص أهمية مساهمة المشروعات الصغيرة والمتوسطة في تطوير قطاع الطيران، من خلال تصنيع القطع غير الحساسة، وإنتاج معدات الدعم الأرضي، والتعبئة الخاصة بالتصدير، وحاويات الشحن الجوي، وخدمات سلسلة التبريد، وبرمجيات إدارة الشحن، والصيانة الخفيفة للمعدات الأرضية، وخدمات التنظيف والتجهيز، والنقل البري للبضائع الجوية، والتدريب المتخصص، وخدمات تتبع الشحنات ودعم العملاء. ويؤدي هذا النهج إلى تحويل صناعة الطيران إلى منظومة متكاملة تضم الإنتاج، والخدمات، والتكنولوجيا، وفرص العمل.
وأخيرًا، يشدد النص على أن زيادة عدد شركات الطيران يجب أن تترافق مع رفع مستوى المعايير والجودة. وينبغي تقييم شركات نقل الركاب والشحن من حيث السلامة، والقدرة المالية، والحالة الفنية، وجودة الخدمات، وكفاءة الإدارة، مع إنشاء نظام وطني للتصنيف يعتمد على مؤشرات تشمل سلامة الطيران، وحالة الأسطول، وجودة الصيانة، والانضباط التشغيلي، وشفافية العقود، ورضا المسافرين وأصحاب البضائع، وتأهيل الموارد البشرية، وإدارة الأزمات، وحماية حقوق المسافرين، والالتزام بالمواعيد، وقدرات تتبع الشحنات، وجودة التعبئة والتسليم. كما ينبغي منح الشركات الأعلى تصنيفًا حوافز تشمل أولوية الحصول على المسارات المناسبة، والتسهيلات المالية، وخصومات على خدمات المطارات، وفرصًا أفضل للمشاركة في المشروعات المشتركة.
معايير الجودة والحوكمة والتطوير الاستراتيجي لقطاع الطيران
يقترح النص إنشاء المركز الوطني لجودة النقل الجوي بهدف الارتقاء بالمستوى المهني لصناعة الطيران. ويشارك في هذا المركز كل من هيئة الطيران المدني، والجامعات، والقطاع الخاص، وشركات التأمين، والجمعيات المهنية، وممثلي المستهلكين. ويتولى إعداد معايير خدمات نقل الركاب والشحن الجوي، ومتابعة أداء الشركات وتصنيفها، وتقييم تدريب الموارد البشرية، ودراسة الشكاوى الهيكلية، وإصدار التقارير الدورية، والمساهمة في تعزيز السلامة والجودة ووضع معايير شفافة لدعم الشركات.
ولتعزيز القدرة التنافسية للشحن الجوي في الأسواق الإقليمية، يقترح النص إعداد معيار وطني للشحن الجوي يشمل التعبئة القياسية، ومواعيد التسليم، وتتبع الشحنات، وتأمين البضائع، ونقل السلع القابلة للتلف، والأدوية والبضائع الحساسة، وسلسلة التبريد، والتسليم النهائي، والمسؤولية عن الأضرار أو التأخير، والربط مع الجمارك والأنظمة التجارية، وشفافية التعرفات، بما يعزز ثقة المصدرين والمستوردين وشركات التأمين والعملاء الدوليين.
كما يقترح إنشاء تحالفات استراتيجية للخدمات المشتركة بين شركات الطيران الصغيرة لرفع قدرتها التنافسية. ويمكن أن تشمل هذه الخدمات بيع التذاكر، وإدارة الشحن، والتدريب، والصيانة، وتوفير قطع الغيار، والخدمات القانونية والتأمينية، وإدارة الأزمات، وأنظمة تتبع الشحنات، ومعالجة الشكاوى، والتسويق، ودعم تقنيات المعلومات، بما يؤدي إلى خفض التكاليف وتحسين جودة الخدمات.
وفي هذا النموذج، يتحول دور الدولة من الملكية والتنفيذ المباشر للمشروعات إلى التنظيم، والرقابة، والتيسير. وتشمل مسؤولياتها تبسيط إجراءات الترخيص، ومنع الاحتكار، ودعم الشركات الناشئة، ووضع معايير صارمة للسلامة، وضمان الشفافية في تخصيص المسارات، ودعم الشحن الجوي التصديري، وتطوير البنية التحتية للمطارات، وإنشاء مناطق لوجستية متخصصة، ودعم صناديق تمويل المشروعات، وتسهيل مشاركة الجامعات والتعاونيات، وحماية المستثمرين قانونيًا، وتنظيم السوق على أسس تنافسية، بما يهيئ بيئة واضحة ومنظمة لجميع الأطراف العاملة في القطاع.
ولتنفيذ هذه الاستراتيجية، ينبغي أولًا حصر الإمكانات المتاحة، بما في ذلك الطائرات المتوقفة عن الخدمة، والمطارات القابلة للتحول إلى مراكز للشحن، والشركات الخاصة، والصناعات الصغيرة، والإيرانيون العاملون في قطاع اللوجستيات العالمي، والمسارات المجدية اقتصاديًا لنقل الركاب والبضائع. ثم يلي ذلك إصلاح الأطر التنظيمية من خلال تبسيط تراخيص الشركات الصغيرة، واستحداث تراخيص متخصصة لشركات الشحن الجوي وإدارة الأساطيل، ووضع معايير لشركات الطيران العارض، وإنشاء إطار قانوني لتعاونيات اللوجستيات الجوية، وتصميم نظام وطني لتصنيف الشركات.
الخلاصة
يرى النص أن مفهوم «الحرب اللوجستية» يعني أن الأمن الوطني والقدرة الاقتصادية أصبحا يعتمدان بدرجة متزايدة على البنية التحتية للنقل، والشبكات التجارية، والممرات اللوجستية، وأن قطاع الطيران يمثل عنصرًا مهمًا في تعزيز هذه القدرة.
وانطلاقًا من ذلك، يقترح اعتماد المشاركة المجتمعية، وبناء الشبكات عبر الحدود، وتوحيد المعايير بوصفها الاستراتيجية الرئيسة لتعزيز قدرة صناعة الطيران الإيرانية على الصمود في ظل العقوبات، بدلًا من الاعتماد على التنمية المركزية وحدها.
كما يؤكد أهمية ربط المطارات بشبكات السكك الحديدية والطرق والموانئ والمعابر الحدودية، وتطوير المطارات الإقليمية لتصبح مراكز متخصصة للشحن الجوي، والارتقاء بمعايير الخدمات والسلامة، بما يعزز مكانة إيران في شبكات النقل الإقليمية والدولية.
وفي هذا النموذج، تستطيع الدولة، من خلال دورها التنظيمي والتيسيري، وبالاعتماد على التعاون بين المجتمع والصناعة والجامعات، توجيه الاستثمارات المحلية نحو مشروعات الطيران، بينما يشكل التكامل بين اقتصاد البيانات، والاقتصاد المحلي، والتعاون الإقليمي، والمعايير الفنية أساسًا لبناء منظومة طيران أكثر قدرة على مواجهة آثار العقوبات.




