مقالات الرأي

مَأْسَسَةُ الاقتصاد الشَّعبي (الجزء التاسع)

✍️أمیرحسین خدائي، باحث

مأسسة الاقتصاد الشعب (13)

 

من مركزية الموازنة إلى اقتصاد قائم على الناس

كيف يمكن لمشروع الموازنة أن يتحول إلى فرصة لمشاركة المواطنين؟

مع صدور كل مشروع قانون للموازنة، تتصاعد موجة واسعة من الانتقادات من قبل الاقتصاديين ووسائل الإعلام والرأي العام؛ بدءاً من الاختلالات الهيكلية والعجز التشغيلي المزمن، مروراً بالتصاعد المستمر في النفقات الجارية، والاعتماد المباشر وغير المباشر على النفط، وتزايد الضغط الضريبي دون ارتباط واضح بتحسين الخدمات العامة، واستمرار الدعم الخفي وغير الكفوء للطاقة، والاستخراج الخام للموارد النفطية والمعدنية، وهيمنة الشركات الحكومية ضعيفة الشفافية على جزء كبير من الموارد، والتخصيص غير الكفوء للعملات الأجنبية لاستيراد السلع الأساسية، وضعف ارتباط الموازنة بالإنتاج المحلي، وعدم العدالة في التوزيع الإقليمي للاعتمادات، وصولاً إلى الاعتماد المزمن للمؤسسات الثقافية والتعليمية والخدمية على الخزينة العامة.

ورغم أن كل واحدة من هذه الانتقادات تعكس جانباً من الواقع، فإنها في جوهرها تعود إلى إشكالية أساسية واحدة: تركّز اتخاذ القرار المالي في بنية حكومية مركزية تختزل دور المواطنين في كونهم دافعي ضرائب أو متلقي خدمات، وتهمّش دورهم في المشاركة والاستثمار وخلق القيمة الاقتصادية داخل الموازنة.


ما هو الاقتصاد القائم على الناس؟

الاقتصاد القائم على الناس يعني:

  • أن لا يكون المواطن مجرد مستهلك أو دافع ضرائب، بل شريكاً ومساهمًا ومستثمراً ومُنتفعاً.

  • أن تتحول المؤسسات العامة من «منفقة للموازنة» إلى خالقة للقيمة لصالح الناس.

  • أن تُموَّل الموارد المالية عبر المشاركة، والشراء الطوعي، والاستثمار الصغير، وتقديم خدمات حقيقية.


الطابع الفوق-حكومي للتخطيط والموازنة: ضرورة لا خيار

من أوجه القصور المزمنة في نظام الموازنة، الإفراط في الطابع الحكومي. فعندما تقتصر عملية التخطيط والموازنة على الأجهزة التنفيذية، يتم تجاهل المؤسسات غير الحكومية، والمعرفة الأكاديمية، وقدرات القطاع الخاص، والخبرات المحلية، وتجارب المجتمعات.

النهج الفوق-حكومي يعني:

  • صنع السياسات عبر مجالس تتجاوز الحكومة بمشاركة الجامعات

  • التنفيذ بالشراكة مع القطاع الخاص والتعاونيات

  • الرقابة بمشاركة فاعلة من المؤسسات الشعبية والمجتمعية


مزايا النهج الفوق-حكومي

  • تعزيز الشفافية والمساءلة

  • تقليص أخطاء اتخاذ القرار المكلفة

  • رفع كفاءة استخدام الموارد

  • الجمع بين المعرفة المحلية والعلمية

  • تعزيز الثقة العامة

وفي العديد من الدول، ساهمت الموازنة التشاركية في إنفاق الموارد المحدودة بدقة وفعالية أكبر.


موازنة تُمكّن الناس

تُظهر التجارب العالمية أن المجتمعات التي انتقل فيها المواطنون من موقع المتفرج إلى صانع القرار، شهدت تحسناً في الكفاءة الاقتصادية وتعزيزاً للعدالة الاجتماعية. وأبرز مثال على ذلك هو الموازنة التشاركية التي انطلقت في ثمانينيات القرن الماضي في مدينة بورتو أليغري بالبرازيل، حيث أدّت المشاركة المباشرة للمواطنين، من مختلف الطبقات الاجتماعية، في تحديد الأولويات المحلية، إلى تحسين ملموس في تخصيص الموارد للتعليم والصحة والبنية التحتية الحضرية.

وفي مدينة ريسيفي البرازيلية، شارك أكثر من 7.5٪ من السكان في عملية اتخاذ القرار المالي، ما أسفر عن مشاريع ملموسة لتحسين جودة الحياة. وقد توسّع هذا النموذج إلى المستوى الوطني في البرتغال، حيث أُلزمت الحكومة بتنفيذ المشاريع التي يختارها المواطنون. وفي ولاية كاليفورنيا، ولا سيما مدينة فاليّو، أثبتت التجربة أن الاقتصادات المتقدمة أيضاً قادرة على تخصيص جزء من الموارد العامة للتصويت المباشر للمواطنين، مع تعزيز الشفافية والثقة العامة وفعالية الإنفاق في آنٍ واحد.

وتُظهر المقارنة بين هذه التجارب أن مأسسة الموازنة الشعبية لا ترتبط بمستوى التنمية ولا بنظام سياسي محدد، بل بالإرادة المؤسسية لنقل سلطة القرار المالي إلى المواطنين. وإذا جرى توطين هذا المسار بذكاء، فإنه قادر على تحويل الموازنة من وثيقة إدارية جامدة إلى عقد اجتماعي حيّ، ديناميكي، وقابل للمساءلة.

موازنة للشعب أم للدولة فقط؟

يشكّل مشروع الموازنة السنوية للدولة خريطة طريق اقتصادية، لكن التدقيق يكشف أن الحصة الحقيقية للمواطنين في صنع القرار وإدارة الموارد تكاد تكون معدومة. فالاعتماد على الإيرادات النفطية، وتوجيه الأولويات نحو النفقات الجارية، وضعف الاستثمارات المحلية، كلها مؤشرات على أن الموازنة صُممت أكثر للحفاظ على سلطة الدولة لا لتمكين المجتمع. وإذا كان الهدف هو اقتصاد قائم على الناس، فلا بد أن تكون الموازنة شفافة، وأن يُخصَّص جزء من الموارد لاتخاذ القرار المباشر من قبل المواطنين، مع تفعيل آليات مثل الموازنة التشاركية أو المشاورات العامة، بحيث يصبح الناس شركاء حقيقيين لا مجرد مراقبين. وإلا ستبقى الموازنة وثيقة رسمية على الورق دون أثر ملموس على الحياة اليومية.


من المدينة إلى الدولة: الموازنة الشعبية في ميزان المقارنة العالمية

تُظهر المقارنة بين نماذج الموازنة الناجحة عالمياً أنه رغم اختلاف السياقات الاقتصادية والسياسية في بورتو أليغري وريسيـفي في البرازيل، والبرتغال، وكاليفورنيا، إلا أنها تشترك في عنصر واحد: نقل جزء من سلطة القرار المالي من الدولة إلى المواطنين. ففي البرازيل، أدى التركيز على العدالة الاجتماعية وتلبية الاحتياجات المحلية إلى تحويل الموازنة إلى أداة للحد من عدم المساواة. وفي البرتغال، ارتقى هذا النهج إلى المستوى الوطني، ومع الإلزام القانوني بتنفيذ قرارات المواطنين، تعززت الثقة العامة في السياسة المالية. أما في كاليفورنيا، فقد كانت الكفاءة والشفافية المحور الأساسي، ليرى المواطنون بوضوح كيف تتحول ضرائبهم إلى تحسينات في الأمن والبنية التحتية والخدمات العامة. وتؤكد هذه المقارنة أن مستوى التنمية أو نظام الحكم ليس عائقاً للنجاح، بل إن العامل الحاسم هو التصميم المؤسسي الذكي، وشفافية المعلومات، والإيمان الحقيقي بدور الناس في الاقتصاد، وهي عناصر تحول الموازنة من وثيقة تقنية جامدة إلى محرك للمشاركة والثقة والتنمية المستدامة.


موازنة للشعب: عندما يخرج الاقتصاد من دائرة الاحتكار

لا يكتسب تمكين الاقتصاد الشعبي في الموازنة معنى حقيقياً إلا عندما تُخرج الموارد العامة من دوائر القرار المغلقة والمركزة، وتتحول إلى أدوات لتمكين المجتمع. فالموازنة الشعبية هي التي، بدلاً من الاعتماد على إيرادات غير مستقرة ونفقات جارية متضخمة، تخصّص حصة واضحة للمبادرات المحلية، والمشاركة المباشرة للمواطنين، والتعاونيات، والمشروعات الصغيرة، مع شفافية كاملة في المعلومات المالية والاعتراف بحق الناس في الرقابة والمساءلة. في هذا النهج، لا يكون المواطن متلقياً سلبياً للدعم والخدمات، بل فاعلاً رئيسياً في خلق القيمة الاقتصادية، وتتحول الموازنة من وثيقة إدارية جامدة إلى عقد اجتماعي للنمو والعدالة والثقة العامة، شريطة أن يُصمَّم هذا المسار بشكل مؤسسي وملزم في مشروع الموازنة.


سقف الموازنة، الموازنة العامة، وموارد الدولة

يحدد سقف الموازنة والموارد العامة في مشروع الموازنة ما إذا كان الاقتصاد سيبقى متمركزاً حول الدولة أم سيتجه نحو الناس في العام المقبل. فإذا اقتصر توزيع الموارد على الأجهزة الحكومية، يكبر حجم الموازنة دون أن يتسع أثرها. ومن هنا يبدأ تمكين الاقتصاد الشعبي: يجب تصميم المشاريع المدرجة في الموازنة بحيث تتيح مشاركة المواطنين في التنفيذ والتمويل وحتى التشغيل. وتُظهر التجارب الدولية أن تحويل المشاريع الممولة من الموازنة إلى مشاريع تشاركية يقلل الضغط على الموارد العامة ويعزز الثقة الاجتماعية.


الإيرادات الضريبية في مشروع الموازنة

زيادة حصة الضرائب من الموارد العامة حقيقة واضحة في مشروع الموازنة، لكنها لا تصبح مستدامة إلا عندما يشعر المواطن بأن الضريبة جزء من دورة تشاركية. ويقتضي الاقتصاد القائم على الناس إيجاد رابط واضح بين الضرائب والخدمات العامة، بحيث يعود جزء من الإيرادات الضريبية إلى المدينة أو الحي أو القطاع الذي دُفعت منه. هذا الربط يحول الضريبة من رقم جامد في جداول الموازنة إلى أداة لمشاركة المواطنين في التنمية.


نقل الأصول والأدوات المالية في مشروع الموازنة

في كل مشروع موازنة، يُعد نقل الأصول وإصدار الأدوات المالية من وسائل تأمين الموارد. وإذا استُخدمت هذه الأدوات فقط لسد العجز، فإن الأجيال القادمة سترث الديون. ويقتضي النهج القائم على الناس توجيه عمليات نقل الأصول نحو المشاركة العامة، بحيث يصبح المواطنون شركاء في الأصول الوطنية عبر صناديق الاستثمار، والسندات المرتبطة بالمشاريع، وطرح الأسهم العامة. وبهذا تتحول أصول الدولة من مصدر للاستهلاك إلى منصة للمشاركة.


النفقات الجارية والعجز التشغيلي

من التحديات الدائمة في مشروع الموازنة نمو النفقات الجارية والعجز التشغيلي. وتمكين الاقتصاد الشعبي هنا يعني تصميم الموازنة بحيث يُموَّل جزء من هذه النفقات عبر إيرادات قائمة على مشاركة الناس. ويجب إدراج الاستخدام العام للمرافق، وبيع الخدمات الحقيقية، ومشاركة المواطنين في تشغيل الأصول الحكومية كحلول رسمية في الموازنة، وإلا سيستمر العجز التشغيلي في التكرار سنوياً.


الطاقة والدعم الخفي: أكبر حصة وأقل شفافية

أكبر رقم في الاقتصاد الوطني لا يظهر في الموازنة المعلنة، بل في الدعم الخفي للطاقة؛ وهو مبلغ يفوق إجمالي الموازنة العامة بعدة مرات، ويعادل نحو عشرة أضعاف موازنة التعليم ونحو عشرة أضعاف الموازنة العسكرية. كما أن أكبر تخصيص غير مباشر للعملات الأجنبية يحدث في هذا القطاع. وتُظهر تجارب دول مثل إندونيسيا وماليزيا أن تحويل دعم الطاقة إلى حصص مباشرة للمواطنين، وصناديق طاقة، وآليات استثمار عامة، يُصلح أنماط الاستهلاك ويخلق رأس مال في آن واحد. وعندما تصبح الطاقة شعبية، لا تعود مصدراً للهدر بل محركاً للتنمية.

ويُعد الدعم من أكبر بنود الموازنة الظاهرة والخفية. وتمكين الاقتصاد الشعبي في هذا المجال يعني النقل التدريجي للدعم من السلع والطاقة إلى المواطنين، وإشراكهم في إدارة الاستهلاك والاستثمار. ويجب أن يعكس مشروع الموازنة هذا التحول الاستراتيجي، وإلا سيبقى الدعم مصدراً للهدر.

كما يتطلب تعميق هذا النهج توجيه الدعم من استيراد السلع والطاقة نحو مشاركة المواطنين في إنتاج الطاقة محلياً، وإحلال الواردات، وإدارة الاستهلاك، مثل التحول التدريجي إلى الإنتاج الهجين والكهربائي في قطاع السيارات عبر الاستثمار العام. وعلى مشروع الموازنة أن يبيّن هذا المسار بوضوح، وإلا ستظل الإعانات عبئاً بدلاً من فرصة للتنمية.

الشركات الحكومية: أكبر حصة من الميزانية، وأضعف مستوى من المساءلة

تستحوذ الشركات الحكومية على أكبر حصة من الميزانية الاسمية للدولة، كما تملك نصيباً كبيراً من تخصيصات العملة الأجنبية وعمليات الاستيراد. في العديد من الدول، تحولت الشركات الحكومية إما إلى مؤسسات تنافسية أو أُتيحت أسهمها للمواطنين. وتُظهر التجارب الناجحة في كوريا الجنوبية، وحتى بعض القابضات المحلية، أن الشفافية وطرح الأسهم للاكتتاب العام والمنافسة الحقيقية يمكن أن تحوّل هذه الكيانات المستهلكة للميزانية إلى محركات لإنتاج الثروة.


استيراد السلع الأساسية: عملة وفيرة وقيمة مضافة محدودة

يُخصص جزء كبير من العملة الحكومية وشبه الحكومية لاستيراد السلع الأساسية. ورغم أن ذلك ضروري على المدى القصير، فإنه يخلق تبعية طويلة الأمد إذا لم يُربط بالإنتاج المحلي. وقد أظهرت دول مثل البرازيل وتركيا أن الاستيراد يمكن ربطه بنقل التكنولوجيا، والشراكات الإنتاجية، والشراء من المنتجين المحليين. فالاستيراد الذكي ليس عدواً للإنتاج، بل منصة لانطلاقه.


النفط والغاز والمكثفات: في صدارة تصدير المواد الخام

يمثل النفط والغاز أعلى مستويات تصدير المواد الخام في الاقتصاد الإيراني. ورغم قدرتهما على جلب العملة الصعبة، فإنهما مصدران هشّان وغير مستدامين. وتُظهر تجارب النرويج وروسيا وحتى بعض الدول العربية أن الصناعات التحويلية للطاقة—كالتكرير والبتروكيماويات—تخلق قيمة مضاعفة مقارنة بالبيع الخام. إن إشراك الناس عبر صناديق استثمار الطاقة والمشاركة العامة في المشاريع التحويلية هو الطريق لتجاوز «لعنة الموارد».


التعدين: تصدير خام مرتفع وتنمية محلية محدودة

بعد النفط، يحتل التعدين المرتبة الثانية في تصدير المواد الخام. تُصدَّر الأحجار والمركزات والمعادن بينما تُخلق القيمة المضافة في أماكن أخرى. في أستراليا وكندا، تشارك المجتمعات المحلية والتعاونيات في سلسلة القيمة التعدينية. وفي إيران، يمكن لاستكمال سلاسل القيمة للحديد والنحاس وغيرها أن يحقق فرص عمل إقليمية ودخلاً شعبياً مستداماً، بدلاً من إيرادات حكومية قصيرة الأجل.

التعدين والموارد الطبيعية في إطار الميزانية

تشكل الإيرادات التعدينية رقماً كبيراً في مشروع الميزانية، لكنها لا تحقق التنمية إذا جاءت من بيع المواد الخام. إن مردنة اقتصاد التعدين تعني إدراج مشاركة المجتمعات المحلية والتعاونيات واستكمال سلاسل القيمة بشكل صريح في السياسات الميزانية، لتحويل التعدين من مصدر دخل مؤقت إلى أداة تنمية مستدامة.


التعليم والصحة: أكبر رأس مال بشري وأضعف مشاركة اقتصادية شعبية

يُعد التعليم والصحة من أكبر بنود الميزانية، لكن معظم الإنفاق يذهب للإدارة اليومية لا لخلق قيمة مستدامة. ففي كثير من الدول، لا تُعد المدارس والمستشفيات مجرد مراكز تكلفة، بل منصات لمشاركة المجتمع وخلق قيمة اجتماعية واقتصادية.

ففي مدارس أوروبية عديدة، تُحفظ مجانية التعليم الأساسي، بينما تُقدَّم برامج مهارية وفنية ولغوية مسائية بمشاركة الأسر مقابل مساهمات طوعية، ما يوفر دخلاً إضافياً للمعلمين ويحوّل المدرسة إلى مركز مجتمعي حي. كما توجد نماذج داخلية لمدارس مهارية أو ذات مجالس أمناء نجحت دون الإضرار بالعدالة التعليمية.

وفي قطاع الصحة، تضمن المستشفيات العامة في دول مثل ألمانيا وتركيا الخدمات الأساسية للجميع، إلى جانب خدمات اختيارية كالغرف الخاصة، والعلاج غير الطارئ، والسياحة العلاجية، وبرامج الوقاية. وتقلل هذه الخدمات الضغط على الميزانية وترفع جودة الخدمة. وقد نجحت بعض المستشفيات الجامعية في إيران في تحقيق دخل إضافي دون الإضرار بالخدمة العامة.

وينطبق الأمر ذاته على الجامعات؛ إذ تموّل جامعات حكومية كثيرة جزءاً من نفقاتها عبر دورات مهنية قصيرة، واستشارات تخصصية، ونقل المعرفة. وقد أصبحت الجامعات التي دخلت مجال التدريب المهاري والتعاون مع الصناعة أقل اعتماداً على الميزانية وأكثر ديناميكية.

حتى في الوقاية الصحية، يتجلى الاقتصاد الشعبي؛ فمشاركة الناس في برامج التغذية الصحية والرياضة والصحة النفسية تقلل تكاليف العلاج وتخلق فرص عمل. وتؤكد تجارب دول عديدة أن الاستثمار الشعبي في الوقاية يحقق عائداً يفوق العلاج بأضعاف.


الاعتمادات الثقافية والفنية: من المناسبات إلى الاقتصاد الشعبي

لا خلاف على أهمية الثقافة والفنون؛ فهي أساس الهوية والتماسك الاجتماعي. غير أن المشكلة تكمن في اعتماد كثير من الأنشطة الثقافية على مناسبات مؤقتة وميزانيات سنوية، بينما تتطلب الثقافة استمرارية وحضوراً يومياً في حياة الناس.

الاقتصاد الثقافي الشعبي يبدأ حين تصبح الثقافة قائمة على مشاركة الناس المستمرة، لا مجرد جمهور عابر. فالتحول من الفعاليات المكلفة إلى الخدمات الثقافية الدائمة—كالدورات، وورش العمل، والعضويات السنوية، والمنتجات الثقافية—يحوّل المؤسسات الثقافية إلى كيانات حية ومستدامة.

في هذا النموذج، لا يكون الناس متفرجين فقط، بل متعلمين ومنتجين وداعمين وشركاء اقتصاديين. وتُظهر التجارب العالمية أن هذا النهج يرفع الجودة ويقلل الاعتماد على الميزانية دون المساس بالعدالة الثقافية.

الخلاصة واضحة:
الثقافة لا تعيش بالمناسبات، بل بالأنشطة المستمرة المفيدة والشعبية. وحين يشعر الناس أنهم جزء من مسار ثقافي حي، يشاركون ويدعمون ويدافعون عنه، وهنا تتحول الثقافة من عبء مالي إلى رأس مال اجتماعي واقتصادي مستدام.

الدفاع والتكنولوجيا في إطار الميزانية

تشكل الاعتمادات الدفاعية جزءاً مهماً من مشروع الميزانية. ولا يعني الاقتصاد القائم على مشاركة الناس تقليص هذا القطاع، بل ربط جزء من هذه النفقات بخلق قيمة للاقتصاد الوطني. ويمكن إدراج تسويق التكنولوجيا، ودعم الشركات المعرفية، ومشاركة المواطنين في صناديق الاستثمار التكنولوجي ضمن السياسات الميزانية لتحويل الإنفاق الدفاعي إلى رأسمال تكنولوجي.


التوازن الإقليمي في مشروع الميزانية

لا تصبح اعتمادات التوازن الإقليمي فعّالة إلا عندما يشارك سكان المناطق في اتخاذ القرار والتنفيذ. ويقتضي الاقتصاد الشعبي توجيه هذه الموارد إلى التعاونيات، وصناديق التنمية المحلية، والمشاريع التشاركية، بدلاً من المشاريع المركزية فقط. ويجب أن ينعكس هذا التحول بوضوح في بنود الميزانية لضمان تنمية إقليمية مستدامة.


الأمن الغذائي والتهديدات البيولوجية: الحلقة المفقودة في الميزانية

يعني الأمن الغذائي ضمان وصول الناس إلى غذاء كافٍ وصحي ومستدام، وهو مرتبط مباشرة بالأمن الوطني والصحة العامة والاستقرار الاجتماعي. ويواجه القطاع الزراعي تحديات كبرى، من بينها الاعتماد المرتفع على استيراد الأعلاف، وتدهور التربة، وتراجع إنتاجية المراعي، وتزايد التهديدات البيولوجية.

الحلول الميزانية:

  • تخصيص بنود ميزانية واضحة لإنتاج الأعلاف محلياً، وإحياء المراعي، ومكافحة التصحر.

  • التركيز على الوقاية وإدارة التهديدات البيولوجية بدلاً من الاستجابة المتأخرة والمكلفة.

  • إشراك المواطنين والتعاونيات في حماية المراعي وإحيائها، ومكافحة التصحر، والاستفادة المستدامة من الموارد الطبيعية.

تضمن هذه السياسات الأمن الغذائي وتحرر موارد الدولة للتنمية والاستثمار طويل الأمد.


المؤسسات الثقافية الممولة من الميزانية وحلول الدخل المستدام

لا يمكن إنكار أهمية المؤسسات الثقافية، فهي تشكل قلب المجتمع الثقافي وتنقل الهوية والتعليم والفن والدين إلى الأجيال القادمة. ومع ذلك، لا تزال العديد منها تعتمد كلياً على الميزانية العامة. ويؤدي غياب تنويع مصادر التمويل إلى الضغط على الخزينة وإلى انتقادات عامة، رغم أن هذه المؤسسات قادرة على تحقيق دخل مستدام—بل وفائض مالي—مع الحفاظ على رسالتها الثقافية واستقلالها المالي.


هيئة الإذاعة والتلفزيون: من عبء مالي إلى إعلام شعبي

تحظى هيئة الإذاعة والتلفزيون بميزانية كبيرة، لكنها قادرة على أن تصبح لاعباً رئيسياً في الاقتصاد الشعبي. وقد أثبتت التجارب في اليابان وإيطاليا وكوريا الجنوبية أن بيع المحتوى، والبرامج التعليمية المدفوعة، والأرشيف الرقمي، والإنتاج المشترك مع الجمهور، وحتى جذب الاستثمارات الصغيرة، ترفع الجودة وتقلل الاعتماد على الميزانية. كما أظهرت التجارب المحلية أن الجمهور مستعد للدفع مقابل المحتوى الجيد. والحل الأساسي هو إشراك الناس في إنتاج المحتوى وملكيته.


وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي

تعمل الوزارة والمؤسسات التابعة لها—مثل مؤسسة الفارابي السينمائية وبيت الكتاب—بتمويل حكومي، لكنها تمتلك فرصاً كبيرة لتوليد الدخل. وتُظهر نماذج عالمية مثل مركز بومبيدو في فرنسا ومتاحف لندن أن بيع التذاكر والمعارض المتنقلة والمنتجات الثقافية يمكن أن يغطي جزءاً كبيراً من التكاليف. كما أثبتت تجارب محلية أن بيع المحتوى وتنظيم الدورات التخصصية يحقق إيرادات مستدامة.


مركز تنمية الفكر للأطفال والناشئة

يتمتع هذا المركز بعلامة تجارية معروفة وقدرة عالية على توليد الدخل، لكنه لا يزال يعتمد على التمويل الحكومي. وتُظهر النماذج الدولية أن إنتاج الكتب والرسوم المتحركة والألعاب التعليمية وورش العمل المدفوعة وتصدير المحتوى يمكن أن يوسع التعليم ويحقق دخلاً كبيراً. ومن خلال تسويق محتواه بشكل مسؤول، يمكن للمركز تحقيق الاستقلال المالي.


مؤسسة الفن الإسلامي الثوري

بما تمتلكه من طاقات فنية وإنتاج ثقافي، تتمتع هذه المؤسسة بإمكانات كبيرة للدخل. وتُظهر تجارب المتاحف الفنية العالمية أن بيع الأعمال الفنية والمعارض المتنقلة وبيع التذاكر يمكن أن يغطي جزءاً مهماً من التكاليف. ومن خلال حماية الملكية الفكرية والتسويق والتعاون مع القطاع الخاص، يمكن للمؤسسة تعزيز مكانتها الفنية وتحقيق دخل مستدام.

وتنطبق نماذج مماثلة على مؤسسات ثقافية ودينية أخرى. والخلاصة أن تنويع مصادر التمويل والاستفادة من التجارب المحلية والعالمية يتيح الاستقلال المالي وتحقيق فائض موارد مع الحفاظ على الرسالة الثقافية.

حلول مشتركة لجميع المؤسسات الثقافية

فصل المهمة الثقافية عن النشاط الاقتصادي:
إنشاء ذراع اقتصادي مستقل بإدارة مهنية.

بيع المحتوى والمنتجات الثقافية:
مثل الكتب، الرسوم المتحركة، البرمجيات، الأعمال الفنية، وورش العمل التعليمية.

الخدمات التعليمية والدورات التخصصية المدفوعة:
على المستويين المحلي والدولي.

التسويق وبناء الهوية (العلامة التجارية):
الاستفادة من السمعة المؤسسية والثقة العامة لتسويق الخدمات والمنتجات.

صناديق الوقف والاستثمار الشفافة:
لتحقيق دخل مستدام ودعم التوسع في الأنشطة.

التعاون مع القطاع الخاص:
عبر شراكات للإنتاج المشترك وتحقيق الإيرادات.

تستطيع المؤسسات الثقافية تحقيق دخل مستدام—بل وحتى فائض مالي—من دون الإضرار برسالتها الثقافية. ويتطلب ذلك إصلاحاً هيكلياً، وإنشاء أذرع اقتصادية مستقلة، والانخراط في السوق، وتسويق الخدمات والمنتجات الثقافية، مع الالتزام بالشفافية المالية. وكلما تقدمت هذه المؤسسات في هذا المسار، تعزز استقلالها المالي وارتفع رصيدها من المصداقية والثقة الاجتماعية، وتلاشت ذرائع الانتقاد.


الخلاصة الاستراتيجية

يجب النظر إلى مشروع قانون الموازنة السنوية بوصفه أكثر من وثيقة مالية تقليدية، بل أداة للتنمية المستدامة، والمشاركة الشعبية، وخلق القيمة الاقتصادية والاجتماعية. فالهدف الاستراتيجي هو أن تتحول موارد البلاد من مجرد نفقات إلى رأسمال لمستقبل إيران.

وفي هذا السياق:

  • يجب أن تكون الأمن الغذائي والتهديدات البيولوجية محور تخصيص الموارد، بما يضمن صحة المجتمع واستدامة الإنتاج وتقليص الاعتماد على الاستيراد.

  • يقوم الاقتصاد الشعبي التشاركي بتحويل المواطنين من مستهلكين سلبيين إلى شركاء ومستثمرين، مما يعزز الثقة العامة وكفاءة استخدام الموارد.

  • ينبغي أن تتحول الإنتاج المحلي، ورأس المال البشري، والثقافة، والتعليم، والصحة عبر نماذج تشاركية وخدمات مكملة إلى مراكز لخلق القيمة وفرص العمل.

  • يجب أن تتحول الأصول العامة، والأدوات المالية، والشركات الحكومية—من خلال مشاركة المواطنين والأسواق الشفافة—من مصادر إنفاق إلى محركات لإنتاج الثروة.

  • يمكن لـ الدعم والطاقة، عند إدارتها بمشاركة شعبية وصناديق استثمارية، أن تنتقل من الهدر إلى التنمية المستدامة وبناء الثروة الوطنية.

وبعبارة أخرى، فإن إصلاح الموازنة يعني الانتقال من محاسبة التكاليف إلى حوكمة شعبية لرأس المال والمشاركة الاجتماعية. إن قرارات اليوم ترسم مستقبلاً أكثر صحةً ومناعةً وقوةً للبلاد. فالموازنة المتمحورة حول الناس لا تضمن التوازن المالي فحسب، بل تحقق التوازن الاجتماعي وتعزز الأمن الوطني، وتقود إيران نحو تنمية ذكية ومستدامة.

مقالات ذات صلة