مخاطر الأمن المائي – الجزء الخامس

أميرحسين خدائي – باحث
الحلول التنفيذية والمحلية والقابلة للتعميم على مستوى البلاد (الجزء الثانی)
نظرًا إلى التحديات الخطيرة الناجمة عن شح المياه والضغط المتزايد على موارد المياه في البلاد، فإن الإدارة الذكية والمتعددة الجوانب للموارد المائية تُعد أمرًا بالغ الأهمية. وفي هذا السياق، يمكن أن يسهم استخدام التقنيات الحديثة، وتطوير البنية التحتية لمعالجة المياه وإعادة تدويرها، ودعم الصناعات والقطاعات المختلفة من أجل خفض الاستهلاك وتحسين كفاءة الاستخدام، فضلًا عن وضع سياسات منسجمة ومنسقة، بدور فعال في الحفاظ على الموارد المائية وتحقيق الاستدامة الاقتصادية والبيئية للبلاد. وفي هذه المقالة، سنبحث الحلول العملية والسياسات التنفيذية في قطاعات مختلفة، مثل الصناعات، ومعالجة مياه الصرف الصحي، وإدارة الموارد المائية الحضرية والريفية، ودور القوانين وهياكل الإدارة متعددة المستويات.
الترشيد الذكي للموارد المائية الطبيعية والاصطناعية: حل من أجل مستقبل مستدام
تُعد السدود والخزانات الطبيعية والاصطناعية والأراضي الرطبة والمستنقعات والأنهار موارد مائية حيوية للبلاد، ويجب إدارتها بعناية وكفاءة. ونظرًا إلى ارتفاع معدلات التبخر وتسرب المياه في هذه الموارد، يمكن، من خلال استخدام تقنيات الحد من التبخر، مثل أغطية مقاومة للتبخر وتركيب العدادات الذكية، توفير ما بين 20 و30 في المائة من استهلاك المياه.
وبالإضافة إلى هذه الحلول، فإن حماية الأراضي الرطبة والمستنقعات وإعادة تأهيلها تسهم في الحفاظ على جودة المياه والتنوع البيولوجي، وتؤدي دورًا مهمًا في مواجهة الجفاف. كما تحتاج الأنهار، باعتبارها شرايين حيوية لنقل المياه، إلى اهتمام خاص؛ وينبغي إعطاء الأولوية لزراعة الأشجار على امتداد الأنهار وحول خزانات المياه الطبيعية والاصطناعية. وإلى جانب تلبية احتياجاتها المائية، تعمل هذه الأشجار، من خلال توفير الظل وتقليل شدة أشعة الشمس والرياح، على خفض معدل تبخر المياه بشكل ملحوظ.
ولا تساعد هذه الإجراءات على الحفاظ على الموارد المائية وترشيد استهلاكها فحسب، بل تسهم أيضًا في زيادة استدامة النظم البيئية وتحسين الظروف الزراعية والبيئية.
الإلزام القانوني بميكنة استهلاك المياه: خطوة حيوية للإدارة المثلى للموارد المائية
تتمثل إحدى الطرق البسيطة والفعالة لترشيد استهلاك المياه في إلزام جميع العقارات التي تستهلك المياه بميكنة استهلاكها. ويمكن اعتبار ذلك شرطًا قانونيًا للحصول على سند الملكية أو نقل ملكية العقار. وبذلك، سيكون كل عقار يرغب في الحصول على سند جديد أو نقل الملكية ملزمًا بتركيب وتشغيل أنظمة ميكنة استهلاك المياه، مثل العدادات الذكية وأنظمة إدارة الاستهلاك.
وإلى جانب تسهيل مراقبة استهلاك المياه والسيطرة عليه، يسهم هذا القانون في الحد من هدر الموارد المائية وتحسين كفاءة استخدامها. كما أن تسهيل إصدار سندات ملكية الأراضي الزراعية غير المسجلة — إذ إن نحو 50 في المائة من الأراضي الزراعية تفتقر إلى سندات ملكية — بالتزامن مع إلزام ميكنة استهلاك المياه، يمكن أن يشكل حافزًا قويًا لحماية الموارد وتنمية الزراعة المستدامة.
ويمكن أن يؤدي تنفيذ هذا الإلزام القانوني، بالتعاون مع الأجهزة والجهات المعنية وتقديم حوافز مالية وتعليمية للمالكين، إلى تعميمه بسرعة على مستوى البلاد، وأن يشكل خطوة مهمة نحو الإدارة الذكية للموارد المائية.
ترشيد مياه الشرب في المنازل: من الأساليب التقليدية إلى الإلزام بالميكنة عند إصدار شهادة إتمام البناء
يحظى ترشيد استهلاك مياه الشرب في المنازل بأهمية كبيرة، ويمكن تحسينه من خلال الأساليب التقليدية والميكانيكية. وتشمل الأساليب التقليدية استخدام صنابير وتجهيزات موفرة للمياه، وجمع مياه الأمطار وإعادة استخدامها، ومنع تسرب المياه وتقطير الصنابير، والاستخدام الأمثل للمياه في عمليات الغسل، وهي أمور يمكن أن يكون لها تأثير ملحوظ في خفض استهلاك المياه.
ومن ناحية أخرى، يتيح تركيب العدادات الذكية وأنظمة التحكم في استهلاك المياه مراقبة الاستهلاك بدقة واكتشاف هدر المياه. ويمكن لهذه الأنظمة إدارة الاستهلاك تلقائيًا وإصدار التنبيهات اللازمة.
ويتمثل أحد الحلول التنفيذية الفعالة لتحقيق هذا الهدف في جعل تركيب معدات ترشيد المياه وميكنة استهلاك المياه شرطًا لإصدار شهادة إتمام البناء. وبذلك، لن يتم إصدار شهادة إتمام البناء من دون تقديم شهادة تثبت تركيب أنظمة ترشيد المياه، الأمر الذي يؤدي إلى الالتزام العام والواسع بترشيد استهلاك المياه عند بناء المباني.




