الشركات الحكومية: أكبر حصة من الميزانية، وأضعف مستوى من المساءلة
تستحوذ الشركات الحكومية على أكبر حصة من الميزانية الاسمية للدولة، كما تملك نصيباً كبيراً من تخصيصات العملة الأجنبية وعمليات الاستيراد. في العديد من الدول، تحولت الشركات الحكومية إما إلى مؤسسات تنافسية أو أُتيحت أسهمها للمواطنين. وتُظهر التجارب الناجحة في كوريا الجنوبية، وحتى بعض القابضات المحلية، أن الشفافية وطرح الأسهم للاكتتاب العام والمنافسة الحقيقية يمكن أن تحوّل هذه الكيانات المستهلكة للميزانية إلى محركات لإنتاج الثروة.
استيراد السلع الأساسية: عملة وفيرة وقيمة مضافة محدودة
يُخصص جزء كبير من العملة الحكومية وشبه الحكومية لاستيراد السلع الأساسية. ورغم أن ذلك ضروري على المدى القصير، فإنه يخلق تبعية طويلة الأمد إذا لم يُربط بالإنتاج المحلي. وقد أظهرت دول مثل البرازيل وتركيا أن الاستيراد يمكن ربطه بنقل التكنولوجيا، والشراكات الإنتاجية، والشراء من المنتجين المحليين. فالاستيراد الذكي ليس عدواً للإنتاج، بل منصة لانطلاقه.
النفط والغاز والمكثفات: في صدارة تصدير المواد الخام
يمثل النفط والغاز أعلى مستويات تصدير المواد الخام في الاقتصاد الإيراني. ورغم قدرتهما على جلب العملة الصعبة، فإنهما مصدران هشّان وغير مستدامين. وتُظهر تجارب النرويج وروسيا وحتى بعض الدول العربية أن الصناعات التحويلية للطاقة—كالتكرير والبتروكيماويات—تخلق قيمة مضاعفة مقارنة بالبيع الخام. إن إشراك الناس عبر صناديق استثمار الطاقة والمشاركة العامة في المشاريع التحويلية هو الطريق لتجاوز «لعنة الموارد».
التعدين: تصدير خام مرتفع وتنمية محلية محدودة
بعد النفط، يحتل التعدين المرتبة الثانية في تصدير المواد الخام. تُصدَّر الأحجار والمركزات والمعادن بينما تُخلق القيمة المضافة في أماكن أخرى. في أستراليا وكندا، تشارك المجتمعات المحلية والتعاونيات في سلسلة القيمة التعدينية. وفي إيران، يمكن لاستكمال سلاسل القيمة للحديد والنحاس وغيرها أن يحقق فرص عمل إقليمية ودخلاً شعبياً مستداماً، بدلاً من إيرادات حكومية قصيرة الأجل.
التعدين والموارد الطبيعية في إطار الميزانية
تشكل الإيرادات التعدينية رقماً كبيراً في مشروع الميزانية، لكنها لا تحقق التنمية إذا جاءت من بيع المواد الخام. إن مردنة اقتصاد التعدين تعني إدراج مشاركة المجتمعات المحلية والتعاونيات واستكمال سلاسل القيمة بشكل صريح في السياسات الميزانية، لتحويل التعدين من مصدر دخل مؤقت إلى أداة تنمية مستدامة.
التعليم والصحة: أكبر رأس مال بشري وأضعف مشاركة اقتصادية شعبية
يُعد التعليم والصحة من أكبر بنود الميزانية، لكن معظم الإنفاق يذهب للإدارة اليومية لا لخلق قيمة مستدامة. ففي كثير من الدول، لا تُعد المدارس والمستشفيات مجرد مراكز تكلفة، بل منصات لمشاركة المجتمع وخلق قيمة اجتماعية واقتصادية.
ففي مدارس أوروبية عديدة، تُحفظ مجانية التعليم الأساسي، بينما تُقدَّم برامج مهارية وفنية ولغوية مسائية بمشاركة الأسر مقابل مساهمات طوعية، ما يوفر دخلاً إضافياً للمعلمين ويحوّل المدرسة إلى مركز مجتمعي حي. كما توجد نماذج داخلية لمدارس مهارية أو ذات مجالس أمناء نجحت دون الإضرار بالعدالة التعليمية.
وفي قطاع الصحة، تضمن المستشفيات العامة في دول مثل ألمانيا وتركيا الخدمات الأساسية للجميع، إلى جانب خدمات اختيارية كالغرف الخاصة، والعلاج غير الطارئ، والسياحة العلاجية، وبرامج الوقاية. وتقلل هذه الخدمات الضغط على الميزانية وترفع جودة الخدمة. وقد نجحت بعض المستشفيات الجامعية في إيران في تحقيق دخل إضافي دون الإضرار بالخدمة العامة.
وينطبق الأمر ذاته على الجامعات؛ إذ تموّل جامعات حكومية كثيرة جزءاً من نفقاتها عبر دورات مهنية قصيرة، واستشارات تخصصية، ونقل المعرفة. وقد أصبحت الجامعات التي دخلت مجال التدريب المهاري والتعاون مع الصناعة أقل اعتماداً على الميزانية وأكثر ديناميكية.
حتى في الوقاية الصحية، يتجلى الاقتصاد الشعبي؛ فمشاركة الناس في برامج التغذية الصحية والرياضة والصحة النفسية تقلل تكاليف العلاج وتخلق فرص عمل. وتؤكد تجارب دول عديدة أن الاستثمار الشعبي في الوقاية يحقق عائداً يفوق العلاج بأضعاف.
الاعتمادات الثقافية والفنية: من المناسبات إلى الاقتصاد الشعبي
لا خلاف على أهمية الثقافة والفنون؛ فهي أساس الهوية والتماسك الاجتماعي. غير أن المشكلة تكمن في اعتماد كثير من الأنشطة الثقافية على مناسبات مؤقتة وميزانيات سنوية، بينما تتطلب الثقافة استمرارية وحضوراً يومياً في حياة الناس.
الاقتصاد الثقافي الشعبي يبدأ حين تصبح الثقافة قائمة على مشاركة الناس المستمرة، لا مجرد جمهور عابر. فالتحول من الفعاليات المكلفة إلى الخدمات الثقافية الدائمة—كالدورات، وورش العمل، والعضويات السنوية، والمنتجات الثقافية—يحوّل المؤسسات الثقافية إلى كيانات حية ومستدامة.
في هذا النموذج، لا يكون الناس متفرجين فقط، بل متعلمين ومنتجين وداعمين وشركاء اقتصاديين. وتُظهر التجارب العالمية أن هذا النهج يرفع الجودة ويقلل الاعتماد على الميزانية دون المساس بالعدالة الثقافية.
الخلاصة واضحة:
الثقافة لا تعيش بالمناسبات، بل بالأنشطة المستمرة المفيدة والشعبية. وحين يشعر الناس أنهم جزء من مسار ثقافي حي، يشاركون ويدعمون ويدافعون عنه، وهنا تتحول الثقافة من عبء مالي إلى رأس مال اجتماعي واقتصادي مستدام.
الدفاع والتكنولوجيا في إطار الميزانية
تشكل الاعتمادات الدفاعية جزءاً مهماً من مشروع الميزانية. ولا يعني الاقتصاد القائم على مشاركة الناس تقليص هذا القطاع، بل ربط جزء من هذه النفقات بخلق قيمة للاقتصاد الوطني. ويمكن إدراج تسويق التكنولوجيا، ودعم الشركات المعرفية، ومشاركة المواطنين في صناديق الاستثمار التكنولوجي ضمن السياسات الميزانية لتحويل الإنفاق الدفاعي إلى رأسمال تكنولوجي.
التوازن الإقليمي في مشروع الميزانية
لا تصبح اعتمادات التوازن الإقليمي فعّالة إلا عندما يشارك سكان المناطق في اتخاذ القرار والتنفيذ. ويقتضي الاقتصاد الشعبي توجيه هذه الموارد إلى التعاونيات، وصناديق التنمية المحلية، والمشاريع التشاركية، بدلاً من المشاريع المركزية فقط. ويجب أن ينعكس هذا التحول بوضوح في بنود الميزانية لضمان تنمية إقليمية مستدامة.
الأمن الغذائي والتهديدات البيولوجية: الحلقة المفقودة في الميزانية
يعني الأمن الغذائي ضمان وصول الناس إلى غذاء كافٍ وصحي ومستدام، وهو مرتبط مباشرة بالأمن الوطني والصحة العامة والاستقرار الاجتماعي. ويواجه القطاع الزراعي تحديات كبرى، من بينها الاعتماد المرتفع على استيراد الأعلاف، وتدهور التربة، وتراجع إنتاجية المراعي، وتزايد التهديدات البيولوجية.
الحلول الميزانية:
-
تخصيص بنود ميزانية واضحة لإنتاج الأعلاف محلياً، وإحياء المراعي، ومكافحة التصحر.
-
التركيز على الوقاية وإدارة التهديدات البيولوجية بدلاً من الاستجابة المتأخرة والمكلفة.
-
إشراك المواطنين والتعاونيات في حماية المراعي وإحيائها، ومكافحة التصحر، والاستفادة المستدامة من الموارد الطبيعية.
تضمن هذه السياسات الأمن الغذائي وتحرر موارد الدولة للتنمية والاستثمار طويل الأمد.
المؤسسات الثقافية الممولة من الميزانية وحلول الدخل المستدام
لا يمكن إنكار أهمية المؤسسات الثقافية، فهي تشكل قلب المجتمع الثقافي وتنقل الهوية والتعليم والفن والدين إلى الأجيال القادمة. ومع ذلك، لا تزال العديد منها تعتمد كلياً على الميزانية العامة. ويؤدي غياب تنويع مصادر التمويل إلى الضغط على الخزينة وإلى انتقادات عامة، رغم أن هذه المؤسسات قادرة على تحقيق دخل مستدام—بل وفائض مالي—مع الحفاظ على رسالتها الثقافية واستقلالها المالي.
هيئة الإذاعة والتلفزيون: من عبء مالي إلى إعلام شعبي
تحظى هيئة الإذاعة والتلفزيون بميزانية كبيرة، لكنها قادرة على أن تصبح لاعباً رئيسياً في الاقتصاد الشعبي. وقد أثبتت التجارب في اليابان وإيطاليا وكوريا الجنوبية أن بيع المحتوى، والبرامج التعليمية المدفوعة، والأرشيف الرقمي، والإنتاج المشترك مع الجمهور، وحتى جذب الاستثمارات الصغيرة، ترفع الجودة وتقلل الاعتماد على الميزانية. كما أظهرت التجارب المحلية أن الجمهور مستعد للدفع مقابل المحتوى الجيد. والحل الأساسي هو إشراك الناس في إنتاج المحتوى وملكيته.
وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي
تعمل الوزارة والمؤسسات التابعة لها—مثل مؤسسة الفارابي السينمائية وبيت الكتاب—بتمويل حكومي، لكنها تمتلك فرصاً كبيرة لتوليد الدخل. وتُظهر نماذج عالمية مثل مركز بومبيدو في فرنسا ومتاحف لندن أن بيع التذاكر والمعارض المتنقلة والمنتجات الثقافية يمكن أن يغطي جزءاً كبيراً من التكاليف. كما أثبتت تجارب محلية أن بيع المحتوى وتنظيم الدورات التخصصية يحقق إيرادات مستدامة.
مركز تنمية الفكر للأطفال والناشئة
يتمتع هذا المركز بعلامة تجارية معروفة وقدرة عالية على توليد الدخل، لكنه لا يزال يعتمد على التمويل الحكومي. وتُظهر النماذج الدولية أن إنتاج الكتب والرسوم المتحركة والألعاب التعليمية وورش العمل المدفوعة وتصدير المحتوى يمكن أن يوسع التعليم ويحقق دخلاً كبيراً. ومن خلال تسويق محتواه بشكل مسؤول، يمكن للمركز تحقيق الاستقلال المالي.
مؤسسة الفن الإسلامي الثوري
بما تمتلكه من طاقات فنية وإنتاج ثقافي، تتمتع هذه المؤسسة بإمكانات كبيرة للدخل. وتُظهر تجارب المتاحف الفنية العالمية أن بيع الأعمال الفنية والمعارض المتنقلة وبيع التذاكر يمكن أن يغطي جزءاً مهماً من التكاليف. ومن خلال حماية الملكية الفكرية والتسويق والتعاون مع القطاع الخاص، يمكن للمؤسسة تعزيز مكانتها الفنية وتحقيق دخل مستدام.
وتنطبق نماذج مماثلة على مؤسسات ثقافية ودينية أخرى. والخلاصة أن تنويع مصادر التمويل والاستفادة من التجارب المحلية والعالمية يتيح الاستقلال المالي وتحقيق فائض موارد مع الحفاظ على الرسالة الثقافية.
حلول مشتركة لجميع المؤسسات الثقافية
فصل المهمة الثقافية عن النشاط الاقتصادي:
إنشاء ذراع اقتصادي مستقل بإدارة مهنية.
بيع المحتوى والمنتجات الثقافية:
مثل الكتب، الرسوم المتحركة، البرمجيات، الأعمال الفنية، وورش العمل التعليمية.
الخدمات التعليمية والدورات التخصصية المدفوعة:
على المستويين المحلي والدولي.
التسويق وبناء الهوية (العلامة التجارية):
الاستفادة من السمعة المؤسسية والثقة العامة لتسويق الخدمات والمنتجات.
صناديق الوقف والاستثمار الشفافة:
لتحقيق دخل مستدام ودعم التوسع في الأنشطة.
التعاون مع القطاع الخاص:
عبر شراكات للإنتاج المشترك وتحقيق الإيرادات.
تستطيع المؤسسات الثقافية تحقيق دخل مستدام—بل وحتى فائض مالي—من دون الإضرار برسالتها الثقافية. ويتطلب ذلك إصلاحاً هيكلياً، وإنشاء أذرع اقتصادية مستقلة، والانخراط في السوق، وتسويق الخدمات والمنتجات الثقافية، مع الالتزام بالشفافية المالية. وكلما تقدمت هذه المؤسسات في هذا المسار، تعزز استقلالها المالي وارتفع رصيدها من المصداقية والثقة الاجتماعية، وتلاشت ذرائع الانتقاد.
الخلاصة الاستراتيجية
يجب النظر إلى مشروع قانون الموازنة السنوية بوصفه أكثر من وثيقة مالية تقليدية، بل أداة للتنمية المستدامة، والمشاركة الشعبية، وخلق القيمة الاقتصادية والاجتماعية. فالهدف الاستراتيجي هو أن تتحول موارد البلاد من مجرد نفقات إلى رأسمال لمستقبل إيران.
وفي هذا السياق:
-
يجب أن تكون الأمن الغذائي والتهديدات البيولوجية محور تخصيص الموارد، بما يضمن صحة المجتمع واستدامة الإنتاج وتقليص الاعتماد على الاستيراد.
-
يقوم الاقتصاد الشعبي التشاركي بتحويل المواطنين من مستهلكين سلبيين إلى شركاء ومستثمرين، مما يعزز الثقة العامة وكفاءة استخدام الموارد.
-
ينبغي أن تتحول الإنتاج المحلي، ورأس المال البشري، والثقافة، والتعليم، والصحة عبر نماذج تشاركية وخدمات مكملة إلى مراكز لخلق القيمة وفرص العمل.
-
يجب أن تتحول الأصول العامة، والأدوات المالية، والشركات الحكومية—من خلال مشاركة المواطنين والأسواق الشفافة—من مصادر إنفاق إلى محركات لإنتاج الثروة.
-
يمكن لـ الدعم والطاقة، عند إدارتها بمشاركة شعبية وصناديق استثمارية، أن تنتقل من الهدر إلى التنمية المستدامة وبناء الثروة الوطنية.
وبعبارة أخرى، فإن إصلاح الموازنة يعني الانتقال من محاسبة التكاليف إلى حوكمة شعبية لرأس المال والمشاركة الاجتماعية. إن قرارات اليوم ترسم مستقبلاً أكثر صحةً ومناعةً وقوةً للبلاد. فالموازنة المتمحورة حول الناس لا تضمن التوازن المالي فحسب، بل تحقق التوازن الاجتماعي وتعزز الأمن الوطني، وتقود إيران نحو تنمية ذكية ومستدامة.