الفنّ والثقافة المُنتِجة «الجزء الأول»

أمیرحسین خدائي، باحث
الحوكمة الثقافية الشعبية وتحقيق الدخل المستدام
تُعدّ الثقافة والفنون الإيرانية الميزة التنافسية الأساسية للبلاد على المستوى العالمي، إلا أن القطاع الثقافي لا يزال غير منتج ويعتمد في الغالب على الدعم الحكومي. في حين يمكن تحويل هذه الميزة نفسها إلى مصدر دخل وفرص عمل مستدامة. وتُظهر التجارب الناجحة المحلية والدولية أن إنشاء قرى للصناعات الثقافية، وتمكين الشعب من إدارة الأنشطة الثقافية، والاستقلال المالي والإداري للمؤسسات، هي مفاتيح جعل الثقافة قطاعًا منتجًا.
داخل البلاد توجد نماذج ناجحة، مثل الهيئات الدينية والمساجد التي تمارس أنشطة اقتصادية بهدف التأثير الثقافي. وإذا جرى توسيع هذه التجارب بدعم وتسهيل من المخلصين والفاعلين، فسيتم تفعيل الطاقات الثقافية للبلاد بشكل مستدام. كما أن بعض المؤسسات الثقافية الكبرى مثل هيئة الإذاعة والتلفزيون، ومؤسسة «أوج»، ومجال الفن، ووزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، لا تزال غير منتجة، ويمكنها – على غرار بعض الدول – أن تصبح ممولًا ومسهّلًا للمبادرات الثقافية الشعبية الصغيرة.
تتوفر إمكانات ثقافية كبيرة بيد الناشطين: الحسينيات، والمساجد، والمدارس، والمؤسسات التعليمية التي تُستخدم لساعات محدودة يوميًا، يمكن تحويلها إلى مراكز ثقافية وتعليمية منتجة. كما أن النخب القرآنية والثقافية والفنية، التي لا تحظى بحضور كافٍ في المؤسسات الحكومية، يمكنها عبر تسهيل إنشاء مؤسسات ثقافية مستقلة، ورياض قرآن، ومدارس أهلية، تحقيق تأثير أوسع ودخل أكبر.
نماذج ناجحة محلية ودولية ومصاديق الدخل الثقافي
المعارض الفنية والمعارض الدائمة
إقامة معارض للأعمال الفنية والحرف اليدوية، بيع الأعمال، تأجير المساحات بأسعار داعمة، دورات تدريبية قصيرة، إنتاج محتوى إعلامي.
تدفق دخل مستدام وجذب جمهور ثقافي.
1. الاستوديوهات الفنية وورش التدريب
تدريب على المهارات الفنية، تأجير الاستوديوهات، إنتاج أعمال حسب الطلب، إنتاج محتوى رقمي (أفلام قصيرة، فيديوهات تعليمية، بودكاست).
دمج التعليم والإنتاج والإعلام مع دخل مباشر.
2. المعارض الدائمة والمساحات المتحفية الصغيرة
عرض الأعمال الفنية والحرفية، تنظيم جولات للزوار، بيع التذاكر والمنتجات الثقافية، نشر المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
دخل ثابت، جذب السياح، وتوليد الثروة عبر الإعلام.
3. الطاقات الاجتماعية الشعبية
(المساجد، الحسينيات، المدارس، الحدائق)
استثمار الساعات غير المستغلة لإقامة الدورات الفنية والتعليمية، وتنظيم المهرجانات والأسواق الثقافية، ونشر المحتوى التعليمي والإعلامي.
الاستفادة من الموارد المتاحة وخلق دخل وفرص عمل مستدامة.
4. المؤسسات التعليمية والتعاونيات الثقافية
تدريب على المهارات المهنية والفنية، تنظيم المهرجانات والمسابقات، بيع أعمال المتدربين، إنتاج المنتجات الثقافية والمحتوى الإعلامي (كتب، أفلام قصيرة، فيديوهات تعليمية، بودكاست، محتوى وسائل التواصل الاجتماعي).
الاستقلال المالي، وتنمية المهارات، وتعزيز المشاركة الشعبية.
5. قرى الصناعات اليدوية والسياحة الثقافية
(مثل أصفهان وكاشان)
بيع الصناعات اليدوية، إقامة ورش تدريبية للسياح، تنظيم معارض موسمية، جولات سياحية ثقافية، إنتاج محتوى بصري وإعلاني.
دخل مباشر للفنانين والحرفيين وجذب السياح المحليين والأجانب.
6. المساجد والهيئات الثقافية ذات النشاط الاقتصادي
(على غرار نماذج في طهران ومشهد)
إقامة الدورات التعليمية، بيع المنتجات الثقافية، تأجير المساحات لإقامة المناسبات والمؤتمرات، مقهى كتاب أو جناح ثقافي، إنتاج محتوى إعلامي وإعلاني.
تأمين جزء من ميزانية الأنشطة الثقافية وزيادة التأثير الاجتماعي.
7. تجارب ناجحة مشابهة في الخارج
المناطق الثقافية الحضرية (مونمارتر في باريس، آشفيل في الولايات المتحدة، طوكيو وكوريا الجنوبية): معارض فنية، استوديوهات، معارض دائمة، أسواق فنية، جولات سياحية ثقافية، إنتاج محتوى إعلامي وبيع رقمي للأعمال الفنية.
الجمعيات والمجموعات الفنية الجماعية: تقاسم المساحات، بيع الأعمال بشكل جماعي، تنظيم معارض وورش مشتركة، مشاريع حسب الطلب، واستخدام الإعلام للتعريف بالأعمال وبيعها.
8. الثقافة والفن: حديقة محتوى وآلية تسهيل
على غرار حدائق العلوم والتكنولوجيا التي تهدف إلى دعم الابتكار، وتسهيل أنشطة الشركات الناشئة، وخلق تدفقات دخل من العلم والتكنولوجيا، يمكن إنشاء آلية مماثلة لإنتاج المحتوى والأنشطة الثقافية والفنية.
في هذا النموذج:
تُوضع المساحات والإمكانات المتاحة (المعارض، الاستوديوهات، قاعات العرض، المدارس، الحسينيات، والمساجد) في خدمة الفاعلين الثقافيين.
وتُقدَّم التسهيلات الإدارية والمالية لتمكين الفنانين والمؤسسات الصغيرة من إنتاج المحتوى والمنتجات الثقافية دون أعباء.
يتم دعم إنتاج ونشر المحتوى من خلال القوالب الرقمية، ووسائل الإعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي، والمعارض الحضورية، بهدف إنشاء تدفقات دخل مستدامة.
الهدف الرئيسي من هذا النهج هو جعل الثقافة والفنون منتجة، وتعزيز التأثير الاجتماعي، وخلق تيار مالي مستقل للناشطين الثقافيين والفنيين، تمامًا كما تفعل حدائق العلوم والتكنولوجيا في مجال الابتكار العلمي.
9. إيران قلب العالم في الصناعات اليدوية
يوجد في العالم حوالي 500 حرفة يدوية مسجّلة، من بينها ما يقارب 300 حرفة تعود إلى إيران. ويعكس هذا الواقع امتلاك إيران طاقة فريدة واستثنائية في إنتاج الصناعات اليدوية. ويمكن تسويق العديد من هذه الحرف ليس فقط في السوق المحلية، بل أيضًا في الأسواق الدولية، نظرًا لارتفاع الطلب العالمي على المنتجات الإيرانية الأصيلة والتقليدية والفنية.
ومن خلال إنشاء مساحات تعليمية ومعارض وتسويق احترافي، والاستفادة من الإعلام والمنصات الرقمية، يمكن تحقيق تدفقات دخل مستدامة ومؤثرة للفنانين والناشطين الثقافيين، وفي الوقت نفسه تعزيز المكانة العالمية للفن والثقافة الإيرانية.
الخلاصة والدرس العملي
تصبح الثقافة والفنون منتجة عندما:
يتم الاستفادة الكاملة من المساحات والأدوات المتاحة (المعارض، الاستوديوهات، قاعات العرض، والطاقات الاجتماعية الشعبية)؛
تكون الأنشطة مدرّة للدخل ومقترنة بإنتاج المحتوى والإعلام؛
يتم تعزيز المشاركة الجماعية والاستقلال المالي؛
تؤدي التسهيلات المخلصة من قبل المؤثرين والحَوْكَمة الشعبية إلى تعظيم الاستفادة من الطاقات وتحقيق تأثير مستدام.




