أخبار العالم

أسباب تصدّر رومانيا معدلات الفائدة في الاتحاد الأوروبي

يمر الاقتصاد الروماني بإحدى أكثر مراحله تعقيداً في السنوات الأخيرة، وسط تضخم مزمن، ونمو اقتصادي ضعيف، وعجز مرتفع في الموازنة، وبيئة سياسية هشة. وفي ظل هذه الظروف، قرر البنك الوطني الروماني الإبقاء على سعر الفائدة الأساسي عند مستوى 6.5%، وهو المعدل الذي لا يزال، وفقاً لبلومبرغ، الأعلى بين دول الاتحاد الأوروبي.

ورغم أن هذا القرار يعني استمرار الضغوط على تكاليف التمويل والاستثمار، فإن صانعي السياسة النقدية يرونه ضرورياً لمنع عودة موجات التضخم.

استمرار السياسة النقدية المتشددة في بوخارست

أبقى البنك الوطني الروماني سعر الفائدة الأساسي دون تغيير في أحدث اجتماع له. ولم يقدم البنك على خفض أسعار الفائدة منذ نحو عامين، معتبراً أن مسار تراجع التضخم لم يترسخ بعد بالشكل الكافي.

ووفقاً للبيانات الرسمية للبنك الوطني الروماني، لا يزال سعر الفائدة الأساسي عند 6.50%، بينما يبلغ سعر تسهيلات الإقراض المعروفة باسم «لومبارد» 7.50%، ما يؤكد استمرار السياسة النقدية التقييدية.

ويرى اقتصاديون أن البنك المركزي يخشى من أن يؤدي خفض مبكر للفائدة إلى إعادة تنشيط توقعات التضخم وزيادة الضغوط على العملة الوطنية، خصوصاً في ظل استمرار تقلبات أسواق الطاقة والتوترات الجيوسياسية في أوروبا.

التضخم: أزمة لم تُحل بعد

في الوقت الذي اتجهت فيه العديد من الاقتصادات الأوروبية نحو الاستقرار النسبي بعد صدمات التضخم خلال السنوات الماضية، لا تزال رومانيا تواجه واحداً من أعلى معدلات التضخم في الاتحاد الأوروبي. وتتوقع المفوضية الأوروبية، في أحدث توقعاتها الاقتصادية، أن يبلغ متوسط التضخم المنسق (HICP) في رومانيا نحو 7% خلال عام 2026.

وتعزو المفوضية استمرار التضخم إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع القوة الشرائية للأسر، وبطء وتيرة تعديل الأسعار. كما أدت تداعيات أزمة الطاقة في الشرق الأوسط وارتفاع تكاليف الواردات إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد الروماني.

وأظهرت بيانات يوروستات أيضاً أن رومانيا سجلت أعلى معدل تضخم سنوي بين دول الاتحاد الأوروبي في عام 2025، ما يشير إلى أن التضخم لم يعد مجرد تقلب قصير الأجل، بل تحول إلى تحدٍ هيكلي.

النمو الاقتصادي يقترب من الركود

في الوقت الذي يواصل فيه البنك المركزي التركيز على احتواء التضخم، تشير البيانات الرسمية إلى تباطؤ ملحوظ في النشاط الاقتصادي. وتتوقع المفوضية الأوروبية ألا يتجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في رومانيا 0.1% خلال عام 2026، وهو ما يعني عملياً حالة من الركود أو شبه الركود.

ويأتي ضعف الاستهلاك المحلي، وتراجع ثقة المستهلكين، وضعف مبيعات التجزئة وانخفاض الإنتاج الصناعي، في مقدمة العوامل التي تقف وراء تباطؤ الاقتصاد.

وفي مثل هذه الظروف، يمكن أن يؤدي استمرار أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة الضغوط على القطاع الخاص وسوق الإسكان والاستثمار. ومع ذلك، يرى البنك المركزي أن خفض الفائدة بسرعة قد يفرض تكاليف أكبر على الاقتصاد على المدى الطويل.

السياسة والاقتصاد: عقدة لم تُحل

إلى جانب المشكلات الاقتصادية، أصبحت حالة عدم اليقين السياسي عاملاً رئيسياً في تحديد آفاق الاقتصاد الروماني. وذكرت بلومبرغ أن الخلافات السياسية بشأن تشكيل الحكومة وإقرار الإصلاحات الاقتصادية أدت إلى تأخير وصول رومانيا إلى مليارات اليوروهات من التمويل الأوروبي.

وتكتسب هذه الأموال أهمية كبيرة لتطوير البنية التحتية ودعم الاستثمارات وتنفيذ مشاريع خطة التعافي والمرونة التابعة للاتحاد الأوروبي. وحذرت المفوضية الأوروبية من أن زيادة عدم الاستقرار السياسي قد تضعف ثقة المستثمرين وتعقّد عملية الإصلاح المالي.

وفي الوقت نفسه، لا يزال عجز الموازنة الحكومية في رومانيا مرتفعاً. وتشير التوقعات الرسمية إلى أن العجز العام سيبلغ نحو 6.2% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، في حين يتجه الدين العام أيضاً إلى الارتفاع.

ويحد هذا الوضع من هامش المناورة أمام صانعي السياسات النقدية والمالية.

وبالتالي، ينبغي النظر إلى قرار البنك الوطني الروماني الإبقاء على سعر الفائدة عند 6.5% في إطار مجموعة من الأزمات الاقتصادية والسياسية المتزامنة: التضخم لا يزال مرتفعاً، والنمو الاقتصادي يقترب من الركود، وعجز الموازنة مستمر، فيما تفتقر البيئة السياسية إلى الاستقرار الكافي.

وفي ظل هذه الظروف، قد يؤدي خفض أسعار الفائدة إلى زيادة مخاطر عودة التضخم وعدم الاستقرار المالي بدلاً من تحقيق انتعاش اقتصادي مستدام.

ويبدو أن البنك المركزي الروماني يفضل حالياً تحمل تكلفة الركود النسبي على المدى القصير بدلاً من المخاطرة بفقدان السيطرة على التضخم. ولذلك، ما لم تظهر مؤشرات أكثر وضوحاً على تراجع مستدام للتضخم وتحسن الاستقرار السياسي، فمن المرجح أن تظل احتمالات تغيير اتجاه السياسة النقدية في بوخارست محدودة.

مقالات ذات صلة