من «التصنيع المحلي» إلى «تصدير التكنولوجيا»؛ الحلقة المفقودة في السياسة الصناعية الإيرانية

✍️ مرتضى مخلصآبادي فراهاني؛ عضو مجلس إدارة اتحاد مصدّري الطاقة والصناعات المرتبطة بها
أدت سياسة دعم «التصنيع المحلي» خلال السنوات الماضية دوراً مهماً في تقليل الاعتماد على الواردات، والحفاظ على موارد النقد الأجنبي، وتطوير القدرات الإنتاجية والتكنولوجية في البلاد. إلا أن مجرد إنتاج أو تجميع منتج محلياً لم يعد اليوم معياراً كافياً لقياس القدرات الصناعية للبلاد.
المسألة الأساسية ليست دعم «المنتج المحلي»، بل دعم «التكنولوجيا المحلية».
هناك فرق جوهري بين المستورد، والمجمّع، ومتكامل الأنظمة، والمنتج الذي يتمتع بعمق تصنيع محلي، والشركة المالكة للتكنولوجيا. ولا يمكن للسياسات الحكومية أن تؤدي إلى تنمية صناعية حقيقية إلا إذا اعترفت بهذه الفوارق، وربطت الدعم بمستوى خلق القيمة، وملكية التكنولوجيا، والبحث والتطوير، والتصميم المحلي، وعمق التصنيع، والكوادر المتخصصة، والقدرة على التصدير.
ومن هذا المنطلق، ينبغي تعريف مفهوم «المُصنّع الحقيقي» بصورة دقيقة، وإنشاء نظام تصنيف متعدد المستويات للفاعلين في سلسلة التوريد. ولا ينبغي أن يكون هذا التصنيف ذا طابع إداري فقط، بل يجب أن يشكل أساساً للتقييم في المناقصات، والاعتماد، والحوافز المالية، ودعم الصادرات.
التصنيع المحلي من دون خارطة طريق غير كافٍ
من أبرز نقاط الضعف في سياسة التصنيع المحلي التركيز على «ما الذي نستطيع تصنيعه» بدلاً من «ما هي التكنولوجيا الضرورية لمستقبل البلاد».
إن تطوير منتج استجابةً لطلب مؤقت لا يؤدي بالضرورة إلى خلق ميزة تنافسية. ولذلك تحتاج البلاد إلى ربط الوثائق والسياسات العليا، والخارطة الصناعية، وخارطة التكنولوجيا، والتكنولوجيات ذات الأولوية، وتطوير المنتجات، والأسواق، والصادرات.
كما لا ينبغي افتراض أن جميع التكنولوجيات يجب تطويرها محلياً من الصفر. فبحسب الأهمية الاستراتيجية والتعقيد وتكاليف التطوير والفجوة التكنولوجية وحجم السوق المحتمل، قد يكون التطوير المحلي هو الخيار الأفضل لتكنولوجيا معينة، ونقل المعرفة الفنية لتكنولوجيا أخرى، والتعاون أو الاستثمار المشترك لتكنولوجيا ثالثة.
يجب أن يتناسب الدعم مع العمق التكنولوجي
إذا لم تشعر الشركة التي استثمرت لسنوات في البحث والتطوير والتصميم والإنتاج والاختبار وتطوير المنتجات بوجود فرق ملموس بينها وبين شركة تكتفي بالتجميع، فلن تكون هناك حوافز كافية لتعميق القدرات التكنولوجية.
لذلك يجب أن تكون الحوافز تدريجية؛ فكلما ارتفع مستوى ملكية التكنولوجيا، والبحث والتطوير، والتصميم المحلي، وعمق التصنيع، والقدرة على التخصيص، ارتفع مستوى التقييم والدعم.
كما أن تعدد قوائم الموردين وتكرار عمليات التقييم في المؤسسات المختلفة يفرض تكاليف وتأخيرات كبيرة على المصنعين. ويمكن لإنشاء نظام موحد للاعتماد والتحقق أن يحد من هذا التكرار.
وينطبق الأمر نفسه على المختبرات. فإذا تم اختبار منتج في مختبر معتمد، فينبغي، قدر الإمكان، قبول نتائج الاختبار في المشاريع الأخرى أيضاً. ويمكن لإنشاء شبكة من المختبرات المرجعية والاعتراف المتبادل بالشهادات أن يختصر الطريق أمام المنتجات المحلية للوصول إلى السوق.
الأمن السيبراني؛ ضرورة وطنية وليس عائقاً أمام الإنتاج
مع التحول الرقمي في البنية التحتية للكهرباء والطاقة والنفط والغاز والمياه والنقل، أصبح الأمن السيبراني للمعدات الصناعية أحد المتطلبات الأساسية. إلا أن تنظيم الأمن السيبراني في بيئات OT يجب أن يتناسب مع الخصائص الخاصة بالقطاعات الصناعية.
وتختلف بيئات OT بشكل كبير عن بيئات IT، ولا سيما من حيث ضرورة استمرارية التشغيل، والعمل في الوقت الحقيقي، وطول العمر التشغيلي للمعدات، ومحدودية إمكانية تحديثها، ووجود الأنظمة القديمة (Legacy).
ومن جهة أخرى، فإن غياب ملفات حماية (Protection Profiles) مناسبة لبعض فئات المعدات الصناعية قد يجعل عملية التقييم معقدة ومكلفة وغير قابلة للتنبؤ بالنسبة للمصنعين.
والحل ليس إلغاء المتطلبات الأمنية، بل جعل التنظيم أكثر ذكاءً، من خلال إعداد ملفات حماية مناسبة، وتطوير مختبرات متخصصة في OT، وتوضيح إجراءات التقييم، والاعتراف بالشهادات المعتبرة، وإنشاء مسار واضح للمنتجات الجديدة.
والمبدأ الأساسي هو أن تطبق معايير الأمن على المنتجات المحلية والأجنبية على حد سواء. فلا ينبغي إعفاء المنتج الإيراني من التقييم لمجرد أنه محلي، كما لا ينبغي السماح للمنتج الأجنبي بدخول السوق لمجرد امتلاكه شهادة أجنبية دون التحقق من توافقه مع المتطلبات الوطنية.
يجب ألا تتحول المواصفات الفنية إلى أداة لهندسة السوق
يمكن لأي متطلب فني أو أمني في المناقصات أن يؤثر في بيئة المنافسة. لذلك ينبغي أن تحدد المواصفات الاحتياجات الفنية والأمنية الفعلية للمشروع، لا أن تؤدي بصورة غير مباشرة إلى تفضيل علامة تجارية معينة أو مجموعة محدودة من الموردين.
ويمكن للرقابة والتدقيق المستقلين على شروط المناقصات، ولا سيما في المشاريع الحساسة، أن يمنعا استبعاد المنافسين دون مبرر وأن يحافظا على المنافسة.
كما ينبغي أن تتاح للمصنعين آلية مستقلة وسرية وآمنة للاعتراض على عمليات التقييم والمناقصات، بحيث لا يتحول تقديم الاعتراض نفسه إلى عامل يهدد فرصهم التجارية المستقبلية.
الاختبار النهائي؛ تصدير التكنولوجيا
إذا كان هدف السياسة الصناعية هو مجرد إحلال الواردات، فستظل نتائجها محدودة. أما الهدف النهائي فينبغي أن يكون تحويل القدرات الإنتاجية إلى تكنولوجيا قابلة للتصدير.
قد تمتلك شركة ما القدرة الفنية على المنافسة في الأسواق الإقليمية، لكنها تفقد فرص المشاركة في المشاريع الخارجية بسبب غياب الضمانات، أو تأمين ائتمان المشتري، أو تمويل المشاريع، أو تغطية المخاطر السياسية والتجارية.
لذلك يجب أن يشمل دعم صادرات التكنولوجيا ضمانات التصدير، والتأمين على الصادرات، وائتمان المشتري، وتمويل المشاريع، وتغطية المخاطر السياسية والتجارية، والضمانات السيادية للمشاريع المختارة.
إن منافسة شركة إيرانية لشركة أجنبية في السوق العالمية ليست مجرد منافسة بين منتجين؛ بل هي منافسة بين منظومتين للدعم.
القطاع الخاص؛ السوق المنسي للتصنيع المحلي
يستحوذ القطاع الخاص على جزء مهم من سوق المعدات الصناعية، وهي شركات غير ملزمة بشكل مباشر بشراء المنتجات المصنعة محلياً، وقد تواصل تفضيل العلامات التجارية الأجنبية لأسباب تقليدية.
لذلك لا ينبغي أن يقتصر دعم التصنيع المحلي على المشاريع الحكومية والكيانات التابعة للدولة. بل يجب أن يصبح سوق القطاع الخاص الساحة الرئيسية لاختبار القدرة التنافسية للتكنولوجيا الإيرانية.
الخلاصة
يجب أن تنتقل سياسة التصنيع المحلي من مرحلة «تصنيع كل ما نستطيع تصنيعه» إلى مرحلة «اختيار التكنولوجيات الاستراتيجية، وتطوير المنتجات التنافسية، وخلق الأسواق، وتصدير التكنولوجيا».
كما لا ينبغي أن يقتصر قياس نجاح هذه السياسة على حجم خفض الواردات. بل يجب أن تصبح زيادة ملكية التكنولوجيا، ونمو البحث والتطوير، وتعميق التصنيع، وتطوير المنتجات الجديدة، ورفع الإنتاجية، وزيادة صادرات التكنولوجيا، مؤشرات أساسية لتقييم السياسة الصناعية.
وفي النهاية، يجب بناء سلسلة متكاملة:
خارطة صناعية ← خارطة تكنولوجية ← تطوير التكنولوجيا ← المنتج ← الاختبار والمعايير ← الأمن السيبراني ← الإنتاج ← السوق المحلية ← وفورات الحجم ← المنافسة الدولية ← التصدير
فإذا كانت إحدى حلقات هذه السلسلة ضعيفة، فقد تفشل حتى التكنولوجيا القادرة في التحول إلى منتج تجاري ومن ثم إلى صادرات.
إن الدعم الحقيقي للتصنيع المحلي يعني دعم قدرة البلاد على ابتكار التكنولوجيا، وإنتاج المنتجات، وخلق الأسواق، والمنافسة، وفي نهاية المطاف تصدير التكنولوجيا الإيرانية.
ولا ينبغي أن يكون الهدف النهائي مجرد «التصنيع داخل البلاد»، بل تحديد الاحتياجات، واختيار التكنولوجيا، وتطوير المنتجات، والتصنيع، والمنافسة، وتصدير التكنولوجيا الإيرانية.




