مقالات الرأي

ارتفاع الأسعار في تركيا سبعة أضعاف: جرس إنذار لإيران ووصفة ينبغي للبرلمان اعتمادها

أميرحسين خدائي، باحث

 

أدى الإلغاء المفاجئ والصادم لسعر الصرف التفضيلي في تركيا خلال الفترة 2021–2025 إلى ارتفاع الأسعار سبعة أضعاف خلال خمس سنوات فقط، وبلوغ التضخم التراكمي 633%، رغم أن تركيا لم تكن منخرطة في حرب. وتصوروا الآن ما الكارثة التي قد تنتج عن تطبيق السياسة الخاطئة نفسها في إيران، في ظل العقوبات وتداعيات الحروب المفروضة الأخيرة. لكن هناك مسارات بديلة وناجحة في العالم يمكن للبرلمان والحكومة الاستفادة منها لإدارة التضخم، بدلاً من الاكتفاء بانتقاده.

وتظهر تجارب الدول الناجحة أن مفتاح النجاح يكمن في الإصلاح التدريجي ودعم الإنتاج. فقد اعتمدت بولندا التعديل التدريجي لسعر الصرف، واستكملت الهند سلاسل القيمة، وألغت مصر دعم الطاقة تدريجياً، وجمعت فيتنام بين سياسة سعر صرف مرنة وتشجيع الاستثمار، ووجّهت إندونيسيا الدعم إلى نهاية سلسلة التوريد عبر بطاقات الدعم الإلكترونية، وخفّضت الأرجنتين تدريجياً دعم المستهلكين مرتفعي الاستهلاك، واعتمدت ماليزيا على الشراء المضمون من الإنتاج المحلي، بينما أنشأت الدول الإسكندنافية صناديق لاحتياطيات النقد الأجنبي. وقد ساهمت هذه السياسات جميعاً في السيطرة على التضخم من دون صدمات مدمرة.

كما تمكنت ألمانيا، من خلال استراتيجية صناعية ذكية وإنشاء شبكات تعاون استراتيجية بين الصناعة والمصارف والحكومة، إلى جانب إدارة اتحادات التصدير والتمويل القائم على سلاسل التوريد، من استكمال سلاسل القيمة محلياً وتقليل الاعتماد على الواردات إلى أدنى حد.

لكن ما الأدوات العملية لهذه الإدارة؟ في مجال التمويل ودعم الإنتاج، تشمل الحلول الرئيسية الشراء المضمون الذكي بأسعار ديناميكية، وتخصيص تسهيلات منخفضة التكلفة لكامل سلسلة الإنتاج، والإعفاءات الضريبية التدريجية، والأوراق الآجلة المتوازية بالعملات الأجنبية.

وفي مجال استهداف الدعم، يمكن لبطاقات الدعم الإلكترونية الذكية، والدعم النقدي المباشر وفق النموذج البرازيلي، وحزم الدعم السلعي، أن تقضي على الريع وتوجه الدعم بدقة إلى الشرائح ذات الدخل المنخفض. غير أن فعالية هذه الأدوات تتوقف على وجود آلية قوية لمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية. ويمكن لإنشاء جهاز مستقل لمكافحة الريع، يضم المؤسسات الرقابية والجهات المعنية، والاستفادة من تقنيات مثل البلوك تشين لتتبع التمويلات من المصدر إلى الوجهة، أن يمنع أي انحراف أو إساءة استخدام.

وفي مجال الاستفادة من الموارد الطبيعية، تمتلك إيران إمكانات هائلة، إذ لديها 90 مليون هكتار من المراعي، يحتاج 80 مليون هكتار منها إلى إعادة تأهيل، إضافة إلى 30 مليون هكتار من الصحارى. ويمكن لتقنيات حديثة مثل الطائرات المسيّرة الذكية لنثر البذور، وطريقة «زئوكودي» لمكافحة التصحر، وإدارة مستجمعات المياه في 20 مليون هكتار من المراعي المتدهورة، وإنتاج البيوتشار من المخلفات الزراعية، أن تحدث تحولاً في إنتاج الأعلاف والأمن الغذائي. كما أن الاستفادة من تجربة مشروع السور الأخضر العظيم في أفريقيا، الذي أعاد تأهيل 100 مليون هكتار من الأراضي الصحراوية، يمكن أن تعزز هذه الإمكانات.

وعلى مستوى السياسات والرقابة، فإن تحقيق الاستقرار في سوق الصرف باستخدام المشتقات المالية مثل العقود الآجلة والخيارات والعقود المستقبلية، والسيطرة على نمو السيولة عبر إصلاح نسبة الاحتياطي الإلزامي، وفرض ضريبة على مكاسب رأس المال والمضاربات، وتعزيز شفافية المعلومات الاقتصادية، يمكن أن يمنع الصدمات السعرية.

وفي مجال استكمال سلاسل القيمة، يمكن دعم الزراعة خارج الحدود في الدول المجاورة باستخدام المقايضة، بما يخفض تكلفة تأمين السلع الأساسية من دون الضغط على موارد المياه المحلية. كما تمثل إقامة اتحادات التصدير والتمويل القائم على سلاسل التوريد أدوات رئيسية أخرى.

إن تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز القدرة الإنتاجية ستكون لهما نتائج تتجاوز الحدود الداخلية، إذ من شأنهما تعزيز الاستقرار الاقتصادي ومصداقية إيران بوصفها شريكاً موثوقاً في المشاريع الإقليمية الاستراتيجية مثل ممر الشمال–الجنوب، وهو ما يمثل شرطاً أساسياً لتحول البلاد إلى مركز قوي للخدمات اللوجستية والتجارة وتحقيق إيرادات مستدامة من النقد الأجنبي.

وتشكيل القدرات المحلية هو المحور الأساسي لجميع هذه الحلول. فالاقتصاد المقاوم يؤكد ضرورة خفض الاعتماد على الخارج، ويمكن أن يشكل الاعتماد على الكفاءات المحلية والبحث والتطوير الوطني والشركات القائمة على المعرفة ورأس المال الإيراني أساساً لبناء هذه القدرات.

وفي هذا السياق، فإن تفعيل المؤسسات الوسيطة مثل مؤسسات التعاون الجامعي، باعتبارها حلقة وصل بين الجامعات والصناعة ورأس المال الصغير، يمكن أن يسهم في تسهيل وتسريع عملية تحويل المعرفة التقنية إلى منتجات تجارية وتوجيه النخب نحو الاحتياجات الفعلية لسلاسل الإنتاج.

ويتمثل الدور الحيوي للبرلمان في هذا المجال في ما هو أبعد من النقد. فمن خلال إعداد الموازنات السنوية، وتصميم حزم دعم موجهة، والرقابة على التخصيص الأمثل للموارد، وإلزام الحكومة بتنفيذ الإصلاحات تدريجياً، يمكن للبرلمان إدارة هذه العملية. إلا أن هذا الدور الفني لن يحقق النتائج المرجوة من دون ملحق اجتماعي وإعلامي قوي.

وينبغي للحكومة والبرلمان، في إطار جهد شامل للتوعية الاقتصادية، أن يوضحا للمواطنين أسباب هذا المسار وأهدافه ومنافعه، وأن يحولا المجتمع، عبر بناء الثقة، من مراقب قلق إلى مشارك واعٍ في هذه الإصلاحات الوطنية.

لقد حان الوقت للاستفادة من الحكمة والتجارب العالمية الناجحة لمنع ارتفاع الأسعار بأكثر من سبعة أضعاف، والسيطرة على التضخم بالعقلانية والإنتاج، لا بالصدمات والاكتفاء بالانتقاد.

مقالات ذات صلة