الحوكمة الهجومية ـ الدفاعية للدفاع البيولوجي والأمن الغذائي
(مع إشراك المواطنين، وبناء التحالفات، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في ظل التهديد الاقتصادي للعدو)

✍️ أميرحسين خدائي ـ باحث
خط المواجهة الأمامي للمعركة الاقتصادية ـ البيولوجية
في ظل الظروف التي ركّز فيها العدو، من خلال تغيير نمط التهديد، على الضغط الاقتصادي وفرض العقوبات الشاملة، لم يعد من الممكن اعتبار الأمن الغذائي والدفاع البيولوجي موضوعين ثانويين أو مجرد نفقات جارية. فهذه المجالات تمثل خط المواجهة الأمامي لجبهة جديدة من الحرب غير المتكافئة. والموازنة السنوية التي يجري إعدادها حاليًا ليست مجرد وثيقة مالية، بل ينبغي اعتبارها خريطة طريق للبقاء الوطني.
وانطلاقًا من إدراك هذه التهديدات الاستراتيجية، تسعى الحوكمة إلى طرح مبادرات هجومية (هجومية واستباقية) ودفاعية (تحصين وتقليل مواطن الضعف) في مجال الدفاع البيولوجي والصحة باعتبارها أولوية. وتسعى هذه المذكرة، من منظور يتجاوز الحكومة ويعتمد على المشاركة، إلى رسم خريطة طريق تنفيذية لتحويل التهديدات البيولوجية إلى فرص استراتيجية، بالتزامن مع إصلاح هيكل الموازنة.
1. البنية المؤسسية والحوكمة: الانتقال من الإدارة الحكومية إلى الحوكمة العابرة للحكومة
من أوجه الضعف المزمنة في نظام إعداد الموازنة تجاهل القدرات الواسعة الموجودة خارج الحكومة. ولمواجهة التهديدات البيولوجية المتحركة والمعقدة، أصبح الانتقال من المركزية الحكومية إلى الحوكمة الشبكية أمرًا لا مفر منه.
إنشاء مجلس أعلى لحوكمة الأمن الغذائي والبيولوجي بتركيبة تتجاوز الحكومة، تضم الحكومة والبرلمان والجامعات العسكرية والحكومية للعلوم الطبية والزراعة، ونقابة الأطباء والبيطريين، والمنظمات المتخصصة غير الحكومية. وينبغي أن تُصاغ السياسات داخل هذا المجلس بطريقة تجمع بين المعرفة الأكاديمية وخبرة السكان المحليين وقدرات القطاع الخاص.
إنشاء مؤسسة للتعاون البيولوجي، تكون فيها جامعات العلوم الطبية والزراعة والطب البيطري حلقة وصل بين الشركات القائمة على المعرفة والمراكز العلمية والصناعة. ومن خلال دعم توليد القدرات لتنفيذ المشاريع القابلة للتنفيذ، ستسهم هذه المؤسسة في تمويل جماعي وتسهيل نقل التكنولوجيا.
إقرار نظام شفاف للتقارير الدورية يُلزم الأجهزة التنفيذية بنشر تقارير عن تقدم مشاريع الأمن الغذائي أمام الرأي العام وأعضاء البرلمان. وتمثل هذه الشفافية ضمانة للوقاية من الريع وانحراف الموارد.
2. الاستراتيجية الهجومية (الهجومية والاستباقية): بناء التحالفات، والنفوذ في السوق، واحتواء التهديد
الهدف في هذا القسم هو تحويل التهديد إلى فرصة، وإنشاء ردع نشط، واكتساب موقع في الأسواق الإقليمية لتجاوز العقوبات.
1. التحالف البيولوجي الاستراتيجي (التحالف البيولوجي الإيراني)
التهديدات البيولوجية لا تعرف الحدود، ومواجهتها تتطلب تعاونًا عابرًا للحدود. ويُقترح تشكيل التحالف البيولوجي الإيراني مع الدول المتوافقة والحليفة (الصين وروسيا واليمن ولبنان وكوريا الشمالية وأفغانستان وأرمينيا وفنزويلا والعراق وتركيا وباكستان والهند وجنوب أفريقيا وبيلاروسيا ودول الجوار). وتشمل آلية هذا التحالف تبادل التكنولوجيا، وإجراء مناورات مشتركة للدفاع البيولوجي، وإنشاء قاعدة بيانات مشتركة للعوامل البيولوجية الخطرة.
نموذج ناجح: إن التعاون الاستراتيجي بين الصين وروسيا في مايو 2025، من خلال توقيع مذكرة تفاهم للجنة الاستشارية الثنائية بشأن ضمان الأمن البيولوجي وتدريب العسكريين في البلدين في مجال الدفاع الكيميائي والبيولوجي، يوضح أن بناء التحالفات البيولوجية يتم متابعته على أعلى المستويات الاستراتيجية.
2. دبلوماسية اللقاحات وتصدير المنتجات التكنولوجية الحيوية
بالاعتماد على قدرات الشركات القائمة على المعرفة، ينبغي وضع تصميم وتنفيذ دبلوماسية اللقاحات على جدول الأعمال. والحصول على الاعتمادات الدولية (منظمة الصحة العالمية WHO والجهات التنظيمية للغذاء والدواء في الدول المستهدفة) للقاحات البشرية والبيطرية لن يؤدي فقط إلى تحقيق إيرادات كبيرة من العملات الأجنبية، بل سيؤدي أيضًا، من خلال إيجاد الاعتماد المتبادل، إلى إضعاف أثر العقوبات وتعزيز المكانة الجيوسياسية لإيران بوصفها قطبًا إقليميًا لإنتاج اللقاحات.
3. إعادة تأهيل 90 مليون هكتار من المراعي و30 مليون هكتار من الصحارى: مبادرة هجومية لخفض الاعتماد البالغ 16 مليار دولار
خلال السنوات السابقة، صُرف نحو 16 مليار دولار من العملة الأجنبية الحكومية على استيراد مستلزمات الثروة الحيوانية. ويشير هذا الرقم الكبير إلى ضعف استراتيجي. ويُقترح، باستخدام طائرات مسيّرة لنثر البذور، وزراعة الأنواع المحلية المقاومة، وإدارة رعي الماشية بمشاركة مربي المواشي، بدء برنامج لإعادة تأهيل المراعي بالزراعة المطرية ومكافحة التصحر.
النموذج العالمي الناجح: إن مشروع الحزام الأخضر في أفريقيا، الذي بدأ عام 2005، أعاد، بمشاركة السكان المحليين وباستخدام تكنولوجيا بسيطة ومحلية، تأهيل أكثر من 100 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، وخلق 10 ملايين فرصة عمل خضراء، وامتص 250 مليون طن من الكربون. وأظهر هذا المشروع أن مكافحة التصحر ليست حلمًا، بل خيارًا إداريًا ذكيًا يمكن أن يحل جزءًا كبيرًا من مشكلة أعلاف الماشية والعواصف الترابية وحتى البطالة في إيران.
3. الاستراتيجية الدفاعية (التحصين وتقليل مواطن الضعف): الاكتفاء الذاتي والقدرة على الصمود
الهدف في هذا القسم هو إنشاء بنى تحتية مقاومة، وتقليل الاعتماد، وزيادة قدرة البلاد على الصمود أمام التهديدات البيولوجية، سواء كانت طبيعية أو متعمدة.
1. تأمين سلسلة الغذاء ومدخلات الإنتاج
يُعد التحكم البيولوجي من المزرعة إلى المائدة، بما يشمل مستلزمات الثروة الحيوانية والأعلاف والمياه والتربة ونقل الأغذية، أحد أكثر الأولويات حيوية. وينبغي للموازنة السنوية، من خلال إنشاء بنود محددة وغير قابلة للتحويل، أن تركز على الوقاية الذكية من تلوث السلسلة الغذائية بدلًا من التركيز على العلاج المكلف. وإذا اعتُبر الأمن الغذائي خط المواجهة الأول للصحة الوطنية، فإن جزءًا كبيرًا من أمراض القلب والجهاز الهضمي والأمراض الأيضية التي تفرض تكاليف باهظة على النظام الصحي سينخفض بصورة طبيعية.
2. الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي في اللقاحات البشرية والبيطرية
إن الاعتماد على استيراد اللقاحات في ظروف العقوبات يجعل البلاد عرضة للمخاطر، مع توفير الدعم والشراء المضمون. وفي المجال البيطري لدينا اكتفاء ذاتي يقارب 97%، لكن في مجال لقاحات الدواجن، ومع اكتفاء ذاتي لا يتجاوز 35%، ما زالت هناك فجوة كبيرة عن هدف 70% في الخطة التنموية السابعة. ويُقترح وضع الاستثمار الموجّه في إنتاج اللقاحات الاستراتيجية البشرية والبيطرية في صدارة أولويات الموازنة. وقد أظهرت تجربة الاعتمادات المخصصة خلال فترة كورونا لمؤسسات مثل باستور ورازي، رغم بعض الاختلالات الإدارية، أنه من خلال ضخ موارد موجّهة يمكن تحقيق قفزة كبيرة في البحث والتطوير.
3. تعزيز برج العلم والتكنولوجيا ومنظومة الابتكار
يواجه مشروع برج العلم والتكنولوجيا، الذي يهدف إلى التحول إلى قطب للابتكار، مشكلات مثل نقص البنية التحتية والتنسيق. ويُقترح من خلال إعادة تصميم هذا البرج وتقديم التسهيلات والمختبرات المرجعية والإعفاءات الضريبية للشركات القائمة على المعرفة الموجودة فيه، تهيئة الظروف لتجميع الموارد وتشكيل عناقيد الابتكار.
4. التمويل ودور القطاع الخاص والمجتمع (مواجهة العقوبات عبر رأس المال)
لتنفيذ هذه الاستراتيجيات، هناك حاجة إلى نظام تمويل حديث يخفف الضغط عن موازنة الحكومة ويعمل، من خلال أوسع مشاركة شعبية ممكنة، على تحييد آثار العقوبات.
إنشاء صناديق رأس مال مخاطر متخصصة (Venture Capital) في مجالات الصحة والتكنولوجيا الحيوية والأمن الغذائي بمشاركة القطاع الخاص وصناديق التقاعد.
تقديم حوافز ضريبية وقانونية للشركات القائمة على المعرفة والعاملين في مجال إنتاج اللقاحات والأدوية.
وضع إطار قانوني لاستثمار صناديق الجمعيات المهنية (الموظفون والأطباء والطلاب ومنظمة التمريض والمجلس الطبي في كل محافظة) والمنظمات غير الحكومية في المشاريع القابلة للتنفيذ. ويمكن لبناء قدرات شعبية مؤهلة أن يكون له أثر بالغ في توفير التمويل وتقليل فعالية العقوبات.
نموذج عالمي ناجح: مشروع Biovac في جنوب أفريقيا، بدعم من البنك الأوروبي وIFC، يمثل مثالًا على الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) للاستثمار واسع النطاق في إنتاج اللقاحات.
5. الأولويات التنفيذية والإصلاحات الملموسة في الموازنة السنوية
لكي تنتقل هذه المذكرة من مستوى التحليل إلى مستوى التنفيذ، ينبغي إدراج المقترحات التالية في أحكام الموازنة والبرامج التنفيذية:
- إنشاء بنود موازنة محددة ومستقلة وغير قابلة للتحويل للأمن الغذائي وإنتاج اللقاحات الاستراتيجية ومواجهة التهديدات البيولوجية.
- تخصيص جزء من موارد النقد الأجنبي لصندوق التنمية الوطني (مثل مليار دولار) للإنتاج المحلي لمستلزمات الثروة الحيوانية ومشاريع إعادة تأهيل المراعي بدلًا من الاعتماد الكامل على الواردات.
- إدراج أحكام قانونية ملزمة في الموازنة تُلزم الأجهزة الحكومية بالمشاركة مع القطاع الخاص والجامعات من خلال تشكيل مؤسسة للتعاون، والمؤسسات الشعبية في تنفيذ مشاريع البنية التحتية.
- زيادة حصة قطاعي الزراعة والصحة من إجمالي موازنة التنمية وإعادة النظر في أولويات تخصيص الاعتمادات، مع التركيز على الوقاية والقدرة على الصمود.
- وفقًا لإحصاءات عام 1403 (2024) الصادرة عن وزارة الصحة، فإن 15% من الوفيات في البلاد ناجمة عن تلوث الهواء، مما يزيد من ضرورة الاهتمام بالمركبات الهجينة والكهربائية، وبالتزامن معالجة الاختلال.
الخلاصة الاستراتيجية: من التهديد إلى الاقتدار
ينبغي أن تصبح الموازنة السنوية نقطة تحول في الحوكمة الوطنية، وأن تكون موازنة:
تعتبر الأمن الغذائي والدفاع البيولوجي خط المواجهة الأول للصحة والأمن الوطنيين.
تتجاوز الحكومة وتقوم على المشاركة، وتستفيد من المعرفة الأكاديمية وخبرة الناس ورأس مال القطاع الخاص.
تعزز الإنتاج المحلي من خلال الاستثمار الموجّه بدلًا من الواردات.
تعتبر صحة الناس والبيئة رأس مال وطنيًا، لا تكلفة ينبغي تجاوزها.
إن إصلاح الموازنة اليوم يعني إصلاح مسار مستقبل البلاد. فلا ينبغي أن نسمح بأن ندفع غدًا التكلفة الباهظة لتجاهل هذه التحذيرات الاستراتيجية. ومن خلال اعتماد نهج هجومي في بناء التحالفات والتصدير، ونهج دفاعي في الاكتفاء الذاتي والتحصين، يمكن تحويل التهديد الاقتصادي للعدو إلى فرصة لتحقيق قفزة في الإنتاج والاقتدار الوطني وتحسين نوعية حياة الناس. وهذه هي اللعبة التي يربح فيها الجميع؛ حيث تعيش الأسر حياة أكثر صحة، وتتخلص الحكومة من ضغوط تكاليف العلاج، وتُوجَّه موارد البلاد إلى بناء المستقبل، في مكان تكون فيه صحة الناس أعظم رأس مال وطني.




