مقالات الرأي

مخاطر الأمن المائي – الجزء الثالث

✍️أميرحسين خدائي – باحث

 

التحول المذهل في الطقس: من الحلم إلى الواقع

 

هل تساءلتم يوماً كيف سيكون شكل العالم لو تمكن الإنسان، بمجرد الضغط على زر، من جعل المطر يهطل في المكان الذي يريده؟ ربما تبدو هذه الفكرة أقرب إلى قصص الخيال العلمي منها إلى العلم، لكن الحقيقة أن البشرية تحاول القيام بذلك منذ عقود، أحياناً بنجاحات محدودة وأحياناً بنتائج مثيرة للجدل. واليوم، تشارك أكثر من خمسين دولة حول العالم، بطريقة أو بأخرى، في هذه التكنولوجيا، فيما تتوسع حدود المعرفة في هذا المجال يوماً بعد يوم. إلا أن ما أحدث تحولاً غير مسبوق في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة هو دخول الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة إليه، وهو تحول يحوّل عملية استمطار السحب من فن قائم على الخبرة إلى علم دقيق قائم على البيانات. وهذه الرحلة الحافلة بالتقلبات، من التجارب الأولية إلى المشاريع الوطنية الضخمة، قصة تستحق التوقف عندها، وسنتناولها فيما يلي.

 

الطرق التقليدية: استمطار السحب

أبسط وأشهر طريقة لتعديل الطقس هي استمطار السحب، وهي تقنية موجودة منذ أربعينيات القرن الماضي. في هذه الطريقة، تُحقن مواد مثل يوديد الفضة أو الثلج الجاف (ثاني أكسيد الكربون المجمد) داخل السحب الباردة (دون الصفر المئوي) باستخدام الطائرات أو الطائرات المسيّرة أو الصواريخ أو المدافع الخاصة، بهدف تكوين بلورات جليدية اصطناعية وإحداث المطر أو الثلج. ويمتلك يوديد الفضة بنية بلورية شبيهة بالجليد، ومن دون الحاجة إلى تبريد البيئة، فإنه يؤدي إلى تجمد قطرات السحب فائقة التبريد.

أما بالنسبة للسحب الدافئة (فوق الصفر المئوي)، فتُستخدم مواد مثل ملح الطعام (كلوريد الصوديوم)، وكلوريد البوتاسيوم، وكلوريد الكالسيوم، أو اليوريا. ومن خلال امتصاص الرطوبة، تساعد هذه المواد على تكوين قطرات أكبر وتسريع هطول الأمطار. وتشمل طرق نشر هذه المواد مولدات أرضية، وشعلات جوية، وصواريخ تحمل مواد الاستمطار.

وينبغي الانتباه إلى أن زيادة هطول الأمطار تختلف عن صناعة المطر. فاستمطار السحب لا يكون فعالاً إلا عندما تكون هناك سحب مهيأة أصلاً للهطول. وبعبارة أخرى، يشبه دوره إضافة الملح إلى الطعام، وليس خلق الطعام من العدم. وتشير الأدلة العلمية إلى أن هذه الطريقة يمكنها، في أفضل الأحوال، زيادة الهطول بنحو 1 إلى 10 في المئة، فيما تعتمد فعاليتها بدرجة كبيرة على الظروف الجوية ونوع السحب. كما أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO، 2020) في تقريرها أن استمطار السحب يمكن أن يكون فعالاً في ظروف محددة ومع الالتزام الدقيق بالبروتوكولات.

 

تفريق الضباب

من التطبيقات التشغيلية الأخرى لاستمطار السحب إزالة الضباب في المطارات والطرق السريعة. ففي حالات الضباب فائق التبريد، يتم تكوين بلورات جليدية اصطناعية باستخدام يوديد الفضة أو الثلج الجاف، فتُستهلك قطرات الضباب الدقيقة ويتحسن مدى الرؤية. وتُستخدم هذه الطريقة في العديد من مطارات العالم، وتُعد من أنجح تطبيقات هندسة السحب.

 

الحد من البَرَد

من خلال حقن مواد الاستمطار داخل السحب المنتجة للبرد، يزداد عدد نوى الجليد. ويؤدي ذلك إلى تشكل عدد أكبر من حبات البرد الأصغر حجماً، والتي تذوب قبل وصولها إلى الأرض. وتُستخدم هذه الطريقة على نطاق واسع في دول مثل الصين والولايات المتحدة وروسيا، وقد أظهرت التجارب في داكوتا الشمالية أن الاستمطار كان فعالاً في الحد من البَرَد في نحو 20.8 في المئة من الحالات.

 

ثورة الذكاء الاصطناعي في تعديل الطقس

ربما يكون أهم تطور خلال العقد الأخير في مجال هندسة السحب هو دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة، بل بدأ يتحول إلى العقل المدبر لعمليات استمطار السحب. ولكن ماذا يفعل الذكاء الاصطناعي تحديداً؟

 

 

التنبؤ الدقيق بمكان وزمان الاستمطار

كان التحدي التقليدي في استمطار السحب يتمثل في تحديد السحابة المناسبة للاستهداف والوقت المناسب لذلك. ولسنوات طويلة، كان الطيارون والخبراء يتخذون قراراتهم استناداً إلى الخبرة وصور الأقمار الصناعية. أما اليوم، فتستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي تحليل بيانات الأقمار الصناعية والرادارات ونماذج الطقس وحتى البيانات التاريخية في الوقت نفسه، بما يتيح لها التنبؤ بموقع الاستمطار بدقة غير مسبوقة. وفي الإمارات العربية المتحدة، يستطيع نظام للذكاء الاصطناعي التنبؤ بالموقع المناسب للاستمطار قبل ست ساعات. وهذا يعني أنه بدلاً من الرحلات التجريبية، يمكن تنفيذ العمليات بهدف محدد بدقة.

 

زيادة دقة نماذج الطقس

تستخدم شركة الذكاء الاصطناعي Atmo نماذج للتعلم العميق مدرّبة على أكثر من 60 عاماً من البيانات المناخية، وقد طورت نماذج للطقس يُقال إنها أكثر دقة بما يصل إلى 100 مرة وأسرع بـ40,000 مرة من أجهزة الحاسوب العملاقة التقليدية. وهذا يعني أن التنبؤ بحالة السحب وتحديد أفضل وقت لتنفيذ العمليات يمكن أن يتم بسرعة ودقة لم تكن ممكنة من قبل.

 

التقييم الفوري للفعالية

من أكبر التحديات في استمطار السحب الإجابة عن سؤال: هل كان المطر الذي هطل نتيجة للعملية أم ظاهرة طبيعية؟ ويمكن للذكاء الاصطناعي تحليل بيانات رادارات الاستقطاب المزدوج، التي تستطيع التمييز بين المطر والبَرَد والثلج والجليد وحتى الحشرات، ومقارنتها بنماذج التنبؤ، لقياس تأثير العملية في الوقت الحقيقي.

 

اقرأ المزيد

مقالات ذات صلة