العلامة التجارية: شيء نراه أم شيء يتشكل في أذهاننا؟

✍️ نگار ولیپور، مستشارة في مجال بناء العلامات التجارية في قطاع الموضة والأزياء
تخيّل يوماً عادياً.
تستيقظ في الصباح، تمسك هاتفك، وقبل أن تغادر سريرك حتى، تكون قد صادفت بالفعل عدداً من أسماء العلامات التجارية وشعاراتها. تذهب إلى المطبخ؛ الشاي، القهوة، الخبز، الجبن، طبق موضوع على الطاولة…. لكل منها اسم أو رمز أو عبوة أو سمة تميزها عن غيرها.
ترتدي ملابسك، تغادر المنزل، وتنزل إلى الشارع. اللافتات، والمتاجر، والسيارات، وحتى التطبيقات التي تفتحها على هاتفك، تعرّضك مرة أخرى لأسماء وعلامات تجارية مختلفة.
لكن هناك سؤالاً مثيراً للاهتمام:
كمّاً من هذه العلامات التجارية نتذكره فعلاً؟
نتعرض كل يوم لعدد كبير من الرسائل والأسماء والصور والرموز التجارية، لكن ليست كل هذه المواجهات تتحول إلى وعي حقيقي أو اهتمام مستمر. فظهور العلامة التجارية أمامنا لا يعني بالضرورة أن نتعرف إليها؛ كما أن معرفة الاسم لا تعني بالضرورة تفضيله.
لذلك، ربما لكي نفهم ما هي العلامة التجارية، علينا أن نطرح سؤالاً آخر: «ما الذي يجعل اسماً ما يبقى في أذهاننا وسط عشرات الأسماء الأخرى؟»
من أين جاءت العلامة التجارية؟
اليوم، عندما نسمع كلمة «علامة تجارية»، نفكر عادةً في الشعار، أو الألوان المؤسسية، أو التغليف، أو الإعلانات، أو الاسم التجاري. لكن تاريخ هذه الكلمة أقدم بكثير من عالم التسويق الحديث.
تعود الكلمة الإنجليزية Brand إلى كلمات جرمانية قديمة وإنجليزية قديمة ارتبطت بمفاهيم مثل النار واللهب والاحتراق. وفي وقت لاحق، أصبحت كلمة brand تشير إلى علامة تُوضع على شيء باستخدام حديد ساخن؛
وهي علامة كان يمكن استخدامها للتعرف على مالكه أو صانعه. ومع مرور الوقت، اتسع معناها واقتربت من مفهوم العلامة التي تميز منتجاً عن منتج آخر.
وهنا تكمن فكرة بسيطة ولكنها مهمة: التميّز.
لكن تاريخ التميّز أقدم بكثير من الاستخدام التجاري الحديث لكلمة Brand. فمنذ آلاف السنين، استخدم البشر العلامات لتحديد ملكية الأشياء ومصدرها وأصالتها وهويتها. ولم تكن الأختام وأنظمة الختم في الحضارات القديمة مجرد أدوات للزينة، بل أدت أيضاً أدواراً في مجالات مثل إثبات الملكية، والتحقق من الأصالة، والتعرف على السلع. وتشير الدراسات التاريخية حول جذور بناء العلامات التجارية إلى أن بعض هذه الأساليب في وضع العلامات أسهمت في التطور التدريجي لمفهوم العلامة التجارية بصورته الحديثة.
وبالطبع، لا ينبغي أن نعتبر هذه العلامات القديمة معادلاً دقيقاً لـ العلامة التجارية الحديثة. فالعلامة التجارية الحديثة هي نتاج مرحلة تاريخية واقتصادية واجتماعية أكثر تعقيداً.
لكن هناك خيطاً مشتركاً بينها: حاجة الإنسان إلى التعرف والتميّز.
ومع نمو الأسواق وازدياد عدد المنتجين، أصبحت المسألة أكثر تعقيداً. ففي سوق لا يوجد فيه سوى منتج واحد، قد لا يكون التميّز أمراً صعباً. ولكن عندما ينتج عشرات أو مئات أو آلاف المنتجين منتجات متشابهة، فإن امتلاك اسم أو علامة لم يعد كافياً وحده.
قد لا يختلف منتجان كثيراً من حيث الأداء، ومع ذلك قد يكون المستهلك أكثر معرفة بأحدهما، أو يثق بالآخر بدرجة أكبر، أو يتصور أن أحدهما يتمتع بجودة أعلى.
وهنا تتحول العلامة التجارية من مجرد علامة للتعريف إلى شيء يتجاوز ذلك.
لم يعد السؤال فقط: «لمن ينتمي هذا المنتج؟»
بل أصبح السؤال الأهم: «ماذا يعني لي هذا الاسم؟»
وهنا تحديداً تتجاوز العلامة التجارية حدود المنتج وتدخل إلى ذهن المستهلك.
يُعد ديفيد أكِر، أحد أبرز المنظّرين المؤثرين في مجال العلامات التجارية، من الذين قدموا مفهوم قيمة العلامة التجارية (Brand Equity) بصورة منهجية.
ومن وجهة نظر أكِر، فإن قيمة العلامة التجارية هي مجموعة من الأصول والالتزامات المرتبطة باسم العلامة ورمزها، والتي يمكن أن تزيد أو تقلل القيمة التي يخلقها المنتج أو الخدمة للعميل أو للشركة. وقد صنّف هذه الأصول في خمس مجموعات رئيسية: الوعي بالعلامة التجارية، والولاء للعلامة التجارية، والجودة المدركة، وارتباطات العلامة التجارية، وغيرها من الأصول المملوكة مثل العلامات التجارية وعلاقات قنوات التوزيع.
ومن هذا المنظور، لم تعد قيمة العلامة التجارية موجودة فقط في المنتج نفسه. فجزء من هذه القيمة يكمن فيما يعرفه العميل عن المنتج، وما يتذكره عنه، وما يشعر به تجاهه.
لذلك لم يعد السؤال فقط: «هل رأى الناس اسمي؟»
بل ينبغي أن نسأل: هل يعرفونني؟ ماذا يخطر في أذهانهم عندما يسمعون اسمي؟ ما مستوى الجودة الذي ينسبونه إليّ؟ ما التجربة التي عاشوها معي؟ وإذا احتاجوا مرة أخرى إلى منتج أو خدمة من هذه الفئة، فهل من المحتمل أن يضعوني ضمن خياراتهم؟
هذا التحول في السؤال يمثل تغييراً كبيراً.
لأننا لم نعد نتحدث عن ما تُظهره العلامة التجارية؛ بل عن ما أنشأته العلامة التجارية في ذهن الجمهور.
كيف تتشكل العلامة التجارية في الذهن؟
هنا تبرز أهمية نظرية كيفن لين كيلر، أحد الأسماء المهمة الأخرى في دراسات العلامات التجارية.
يدرس كيلر مفهوم قيمة العلامة التجارية القائمة على العميل (Customer-Based Brand Equity) من زاوية استجابة المستهلك. وفي نموذجه، تتكون معرفة العلامة التجارية في ذهن المستهلك من عنصرين رئيسيين:
الوعي بالعلامة التجارية (Brand Awareness) وصورة العلامة التجارية (Brand Image)، وتتكون صورة العلامة التجارية بدورها من مجموعة من الارتباطات المرتبطة بالعلامة.
وبعبارة أبسط، يتحول الاسم التجاري إلى شيء يتجاوز مجرد اسم عندما يكون قد أنشأ شبكة من الارتباطات في أذهاننا. فعندما نسمع اسم علامة تجارية، قد تتبادر إلى أذهاننا الجودة، والسعر، وتجربة سابقة، أو شخص، أو نمط حياة، أو ذكرى، أو حتى شعور معين.
في الواقع، العلامة التجارية ليست مجرد شيء نراه؛ بل هي أيضاً جزء مما نتذكره وما نربطه بها.
وهنا تحديداً يمكن لاسم بسيط أن يتحول إلى علامة تجارية.
لماذا يجب أن يختاروني؟
يمكننا الآن العودة إلى السؤال الأول. في سوق مليء بالأسماء والمنتجات والرسائل المتشابهة، لماذا ينبغي أن نختار علامة تجارية معينة من بين عشرات الخيارات؟
لم يعد الجواب يقتصر على الشعار أو التغليف أو حتى الجودة التقنية للمنتج. يجب أن تحتل العلامة التجارية مكانة في أذهاننا؛ يجب أن تكون معروفة، وأن تحمل معنى، وأن تنشئ مجموعة من الارتباطات ذات الصلة والمعنى. وفي إطار كيلر، تعد الارتباطات القوية والمفضلة والفريدة في ذاكرة المستهلك من العوامل المهمة في تكوين قيمة العلامة التجارية.
لذلك قد يكون منتجان متشابهين جداً من الناحية التقنية، ومع ذلك لا تكون لهما القيمة نفسها في ذهن العميل. أحدهما مجرد منتج، بينما يحمل الآخر معه اسماً مألوفاً وتجربة وتوقعاً ومجموعة من المعاني.
ربما بدأت الرحلة التاريخية للعلامة التجارية من علامات كانت تُستخدم في الماضي لتحديد ملكية السلع أو أصولها أو مصدرها. لكن العلامة التجارية الحديثة لم تعد مجرد علامة توضع على المنتج. واليوم قد تكون أبرز علامات العلامة التجارية موجودة على العبوة أو اللافتة أو الملابس؛ إلا أن قيمتها الحقيقية تعتمد إلى حد كبير على شيء تشكّل في ذهن الإنسان. ولذلك، لفهم العلامة التجارية، علينا أن نتجاوز مظهرها وندخل إلى المكان الذي يكتسب فيه اسم العلامة معناه الحقيقي: العقل البشري.
لأن العلامة التجارية في النهاية ليست مجرد ما تقوله الشركة عن نفسها.
العلامة التجارية هي ما يبقى في أذهاننا من مجموع مواجهاتنا معها…




